العدد : ١٥٥٨٦ - الثلاثاء ٢٤ نوفمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٩ ربيع الآخر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٨٦ - الثلاثاء ٢٤ نوفمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٩ ربيع الآخر ١٤٤٢هـ

قضايا و آراء

نحو تطوير الابتكار في أداء مؤسسات الأعمال في البحرين

بقلم: الشريف د. محمد بن فارس الحسين {

الثلاثاء ٢٧ أكتوبر ٢٠٢٠ - 02:00

في ظل جائحة كورونا، واجهت الكثير من الشركات ومؤسسات الأعمال خاصة في القطاع الخاص في البحرين صعوبات اقتصادية أسوة بما واجهته نظيراتها في العالم، ومع العودة التدريجية للنشاط الاقتصادي أصبح التحدي الكبير هو كيفية العودة بقوة إلى حالة التوازن الاقتصادي والمالي ومن ثم الوصول إلى مرحلة تحقيق الأرباح من جديد، ولا شك أن ذلك يتطلب الاستثمار سريعا في تطوير الأداء الاقتصادي والتسويق على أن يقترن ذلك بتعزيز وتجديد أساليب الابتكار في أداء الشركات ومؤسسات الأعمال.

إن العوامل الاستراتيجية والتنظيمية هي ما يميّز المبتكرين الناجحين في المؤسسات والشركات الكبرى عن بقية المنظمات العاملة في مجالهم نفسه. ولا يعتبر سرًّا القول إن الابتكار يكون صعب التطبيق على المؤسسات الكبرى التي تعمل منذ زمن بعيد وفق منظومة تقليدية محددة فهم يعملون على تنفيذ الإجراءات الروتينية اليومية وبعيدون عن مجالات الابتكار في العمل. وفي الغالب تنجح تلك المؤسسات في الابتكارات التي تُحدث تغييرًا جذريًا شاملاً في المؤسسة أكثر من نجاحهم في الابتكارات التي تهدف إلى تحسين إجراءات عملهم الحالية.

وبالرغم من صعوبة تطبيق الابتكار بالنسبة للمؤسسات الكبرى، فإن هنالك عددا من الشركات والمنظمات الكبرى التي نجحت في تطبيق الابتكار وتحقيق نتائج مذهلة مما دفع الباحثين إلى السعي وراء اكتشاف أهم السمات التي تميز تلك المنظمات والمنهجيات التي اتبعتها. وفي دراسة استمرت سنوات شملت مقابلات وورش عمل واستطلاعات رأي لأكثر من 2500 مدير تنفيذي في أكثر من 300 شركة في عدة بلدان حول العالم. وقد خلصت الدراسة إلى مجموعة من ست سمات أساسية موجودة إما بشكل جزئي وإما كلي في كل منظمة من المنظمات الكبرى ذات الأداء العالي والتي تقدم منتجات وخدمات مميزة ونماذج أعمال مبتكرة.

ونظرًا إلى أن الابتكار يعد من الأعمال المعقدة على مستوى الشركة أو المنظمة، فإنه يتطلب مجموعة من الممارسات والعمليات الشاملة لهيكلة وتنظيم الابتكار وتشجيع العاملين في تلك المنظمات على الابتكار وهو الطموح والاختيار والاكتشاف والتطوّر والقياس والتحفيز. وسنتطرق في هذا المقال إلى تفصيل تلك السمات على النحو التالي:

الطموح

لقد دفع طموح الرئيس الأمريكي السابق جون كينيدي، في عام 1962 إلى الذهاب إلى القمر وهو ما يعتبر نقلة غير مسبوقة إلى مستويات متقدمة من الابتكار. فالرؤية البعيدة المدى تعتبر حافزًا للعمل والابتكار، بشرط أن تكون واقعية بما يكفي.

ولكن في بيئة مؤسسات الأعمال، فإن التحفيز من خلال الكلمات غالبًا ما يكون غير كاف. وعلى الرغم من ذلك فإن الكلمات الملهمة والتي تعبّر عن الطموح المستقبلي للمؤسسة تساعد على الجمع بين التطلعات والقيمة التي يقدمها الابتكار للمنظمة لتحقيق أهدافها في النمو. فتحديد «هدف الابتكار من أجل النمو» بشكل واضح وقابل للقياس وجعله جزءا من الخطة الاستراتيجية للمنظمة يساعد على ترسيخ ثقافة الابتكار وتحديد الأطراف المسؤولة عن الابتكار داخل المنظمة، لذلك يجب أن يكون هدف الابتكار نفسه كبيرًا بما يكفي لإجبار مديري المنظمات على تضمين الاستثمار في الابتكار في خطط أعمالهم. 

ومع ذلك لا يكفي فقط تحديد هدف للابتكار قابل للقياس. فيجب أيضًا تقسيم العمل بين الإدارات الداخلية في المؤسسة ووضع مهام مجدولة زمنيًا للتنفيذ مع وضع آلية لقياس الأداء، فالابتكار ليس عمل شخص واحد في المنظمة بل هو عمل يشارك فيه كافة الموظفين.

الاختيار 

إن الرؤى الجديدة والإبداعية لا تقدر بثمن، ولكن من واقع خبرتي الاستشارية للعديد من المنظمات، فإن المنظمات تواجه صعوبة أكثر في اختيار فكرة إبداعية من بين مجموعة أفكار أكثر من صعوبة توليد تلك الأفكار. فمن المؤكد أن الابتكار محفوف بالمخاطر فعملية اختيار الأفكار الإبداعية ذات الأثر الأعلى من مجموعة كبيرة من الأفكار هي عملية تتّسم بإدارة المخاطر نظرًا إلى صعوبة تحديد الأفكار ذات القيمة الأعلى. وبالمقابل فإن البحث في كافة الأفكار الإبداعية المطروحة هو إجراء غير عملي لذلك يجب تحديد أطر معنية للأفكار التي يجب البحث فيها حيث تحدد تلك الأطر المساحات التي يجب البحث فيها والمساحات التي يجب إهمالها. فهنالك عوامل عدّة تلعب دورًا فاعلاً في تحديد تلك المساحات كالميزانية المطروحة للابتكار والعوائد على الاستثمار وتوافقها مع الرؤى الاستراتيجية للمنظمة ومستوى المخاطرة. وفي الغالب يكون لدى المنظمات التي تتبنى النهج الابتكاري قائمة بالأفكار والفرص المبتكرة تسمى «محفظة الأفكار الإبداعية» يتم فيها تحليل قِيم تلك العوامل لكل فكرة إبداعية ويتم دراستها ومراقبة أي تغيّر في تلك القيم بشكل مستمر. 

الاكتشاف

يتطلب الابتكار أيضًا رؤى قابلة للتنفيذ - من النوع الذي يثير حماس العملاء ويخلق أسواقا جديدة. ويمكن للمنظمة البحث عن رؤى ابتكارية في ثلاثة مجالات رئيسية هي مشكلة يجب حلها أو تقنية جديدة تقدم حلولا مبتكرة أو نموذج عمل مبتكر. ويمكن القول إن كل ابتكار ناجح تقريبًا يحدث عند تقاطع هذه العناصر الثلاثة. والمنظمة التي تجمع وتصنّف وتصنع تلك الرؤى الابتكارية يكون احتمالية نجاحها أكبر من غيرها. فإذا حصلت المنظمة على بيانات دقيقة عن احتياجات وتوقعات العملاء، وفي الوقت نفسه اكتسبت معرفة أعمق بالتقنيات الحديثة ووجدت آلية لكيفية تكامل هذين الأمرين معًا فستحصل المنظمة على عوائد كبيرة جدًا.

التطوّر

إن نماذج العمل التي تغير سلسلة القيمة وتزيد من تدفقات الأرباح تعد جزءًا حيويًا من منظومة الابتكار. ونظرًا إلى أن الهواتف الذكية وتطبيقات الأجهزة المحمولة أسهمت في إحداث تغيير جذري في الصناعات الحالية، فقد أصبح ابتكار نموذج الأعمال من الأمور الملحّة، ومن أجل ذلك وجب على المؤسسات القائمة إعادة بناء نماذج أعمالها لتحاكي تقنيات الثورة الصناعية الرابعة والتحول الرقمي الذي يشهده العالم. فالمؤسسات الرائدة تطوّر من نماذج أعمالها باستمرار بشكل مبتكر لفتح أسواق جديدة وجلب عملاء أكثر وهم في سعي دائم إلى خلق قيم جديدة ومبتكرة لعملائهم. 

المقياس

بعض الأفكار، مثل السلع الفاخرة والعديد من تطبيقات الهواتف الذكية، مخصصة لأسواق محددة وخاصة. وبالمقابل هنالك بعض الأفكار، مثل شبكات التواصل الاجتماعي تعمل على نطاق عالمي واسع. ويعتبر تحديد حجم ونطاق الأفكار الابتكارية أمرًا مهمًّا لضمان توفير الموارد المخصصة وتحديد المخاطر بشكل دقيق ومتابعتها. كما يجب تنظيم الموارد والإمكانيات للتأكد من إمكانية تسليم المنتج أو الخدمة الجديدة بسرعة بالمواصفات والجودة المطلوبين. ويجب أيضًا أن تكون كافة إمكانيات التصنيع، والموردون والموزعون وغيرهم على استعداد لتنفيذ طرح سريع وكامل للمنتج أو الخدمة.

التحفيز

تحفّز الشركات والمؤسسات الرائدة وتشجع وتدعم التفكير الإبداعي بين الموظفين من أجل خلق ثقافة الابتكار داخل المؤسسة الاقتصادية. فعندما تضع الشركة أهدافًا محددة للابتكار، يصبح الأشخاص أكثر تركيزًا. ومن خلال تعزيز التعاون والتعلم والتجريب يجب أن تساعد مؤسسات الأعمال الموظفين على مشاركة الأفكار والمعرفة بحرية. 

‭{‬ أكاديمي متخصص في العلوم

 الشرعية وتنمية الموارد البشرية

Dr.MohamedFaris@yahoo.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news