العدد : ١٥٥٨٦ - الثلاثاء ٢٤ نوفمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٩ ربيع الآخر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٨٦ - الثلاثاء ٢٤ نوفمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٩ ربيع الآخر ١٤٤٢هـ

قضايا و آراء

رحلة معاناة العرب والمسلمين في أمريكا

بقلم: د. جيمس زغبي {

الثلاثاء ٢٧ أكتوبر ٢٠٢٠ - 02:00

خلال القرن الماضي شهدنا تاريخا طويلا ومأساويا من السياسات الداخلية الأمريكية التي تستهدف الأشخاص من أصول عربية. لقد ظلت دوائر إنفاذ القانون وسلطات الهجرة في ظل الإدارات الديمقراطية والجمهورية على حد سواء تعاملنا بطريقة تنم عن التمييز, بالإضافة إلى هذه السياسات الضارة والتعسفية فإنه لا بد لنا اليوم من أن نشير إلى الدور الذي لعبته عملية شيطنة العرب وتحويلهم إلى أكباش فداء في السياسات الأمريكية. 

في سنة 1990 نشر المعهد العربي الأمريكي كتابا بعنوان «سياسات الإقصاء» وقد وثقنا فيه التجارب المؤلمة التي عاشها المرشحون الأمريكيون من أصل عربي والذين استهدفهم خصومهم بسبب أصولهم العربية، إضافة إلى أمثلة أخرى عن المرشحين للانتخابات المحلية والفيدرالية والذين استهدفوا خصومهم الذين قبلوا التبرعات المالية التي قدمها العرب الأمريكيون دعما لحملاتهم الانتخابية أو لأنهم يشغلون بعض الأمريكيين من أصول عربية في طواقم حملاتهم الانتخابية. لذلك أصبح بعض المرشحين يرفضون قبول أي شكل من أشكال الدعم الذي يقدمه لهم الأمريكيون من جذور عربية. 

يمكن أن نضرب الكثير من الأمثلة على هذه السياسات والممارسات المناهضة للأمريكيين من أصول عربية. ففي سنة 1983 وجد أحد المرشحين الديمقراطيين لمنصب رئيس مجلس المدينة في فيلادلفيا نفسه مستهدفا من خصمه الجمهوري بدعوى أنه قبل تبرعات مالية من بعض الأمريكيين من أصول عربية. لم يجد المرشح الديمقراطي بدا من إعادة تلك التبرعات إلى أصحابها. 

في سنة 1984 ترشح الديمقراطي والتر مونديل للانتخابات الأمريكية وقد أعاد أموال التبرعات التي قدمها له المتبرعون الأمريكيون من أصول عربية, كما أن حملة مايكل دوكاكيس الرئاسية رفضت سنة 1988 قبول دعم ومساندة العرب الأمريكيين. 

خلال الأعوام التي أعقبت تلك الفترة ترشح أحد نواب الكونجرس الأمريكي لانتخابات مجلس الشيوخ, وقد طلب من قادة الأمريكيين من أصول عربية عدم دعم حملته الانتخابية وكذلك فعل أحد السياسيين الديمقراطيين الذي ترشح لانتخابات رئيس مجلس مدينة نيويورك. 

لقد كانت تلك الممارسات التعسفية ضد الأمريكيين من أصل عربي تنم عن خوف من التفريط في أصوات الناخبين اليهود, كما أنها كانت ناتجة عن الحملات التي أطلقتها المنظمات واللوبيات اليهودية الكبرى في الولايات المتحدة الأمريكية، ومن بينها رابطة مناهضة الثلب ولجنة العلاقات العامة الأمريكية الإسرائيلية (إيباك) والتي نشرت «قوائم سوداء» التي تتعلق ببروز القادة والمنظمات الأمريكية من أصول عربية والذين تتهمهم هذه المنظمات اليهودية بأنهم «معادون لإسرائيل» ولا بد بالتالي من استبعادهم. 

خلال العقدين التاليين، وخاصة عقب التوقيع على اتفاقيات أوسلو, تراجعت مظاهر الإقصاء بعض الشيء قبل أن تسجل عودتها بقوة خلال حملة الانتخابات الرئاسية التي أجريت سنة 2008, وقد تجلى ذلك خاصة من جانب الجمهوريين, وما لبث أن تحول ذلك إلى ظاهرة معادية للمسلمين إلى حد كبير. 

عملت المرشحة الجمهورية لمنصب نائب الرئيس سارة بالين على تأجيج المشاعر المعادية للعرب والمسلمين في إطار معارضتها لمرشح الحزب الديمقراطي آنذاك باراك أوباما, تم التركيز في تلك الانتخابات على القول إن أوباما «مختلف عن الأمريكيين».

عندما ألح أحد السائلين الذين كانوا حاضرين في أحد التجمعات الانتخابية على أن باراك أوباما ينحدر من أصول عربية رد عليه مرشح الحزب الجمهوري السيناتور جون ماكين «كلا إنه ليس كذلك. إنه رجل محترم». أشادت بعض وسائل الإعلام بما اعتبرته «موقفا نبيلا» عبر عنه جون ماكين غير أن العرب الأمريكيين، والذين هم في أغلبهم «أرباب عائلات محترمون», لم ينبهروا بذلك.

في سنة 2010 شهدنا ظهور طريقة أخرى في استهداف المسلمين في حملة قومية وذلك للمرة الأولى. قاد تلك الحملة الرئيس السابق لمجلس النواب الأمريكي نيوت جنجريتش الذي أجج الجدل بشأن بناء مركز إسلامي غير بعيد عن الموقع السابق لمركز التجارة العالمي في مدينة نيويورك. 

استخدم نيوت جنجريش لغة متعصبة معادية للمسلمين وقال إن المسلمين يريدون أن يشيدوا «مسجد النصر» احتفالا باحتلالهم للولايات المتحدة الأمريكية. في انتخابات مجلس النواب في تلك السنة أطلق 17 من المرشحين الجمهوريين إعلانات دعائية تلفزيونية يتهمون من خلالها خصومهم الديمقراطيين بتبني «موقف لين» في معارضتهم لمشروع بناء «مسجد النصر». 

نجح اثنان من بين هؤلاء المرشحين السبعة عشر الجمهوريين غير أن تلك الحملات قد تركت أثرها. فقد استغل الجمهوريون شعارات «الأمريكيين المولودين في أمريكا» والمواقف المعادية للأجانب والمهاجرين من أجل إنشاء حزب الشاي وحركة مواليد أمريكا المعادين لباراك أوباما, كما أصبحت مفردات التعصب المناهض للمسلمين حاضرة بقوة في خطابهم السياسي. 

في سنة 2012 وخلال المناظرة التي عقدت ضمن حملة الانتخابات الرئاسية التمهيدية للحزب الجمهوري تعهد أغلب المرشحين برفض تعيين أي عربي أو مسلم في إدارتهم في حال فوزهم أو على الأقل إخضاعهم لأداء قسم الولاء للولايات المتحدة الأمريكية قبل التفكير في تعيينهم. 

صحيح أن مرشح الحزب الجمهوري في تلك السنة ميت رومني لم يتبن تلك الأفكار والآراء, غير أن المواقف المعادية للمسلمين ظلت تتنامى في صلب الحزب الجمهوري وهو ما مهد الأرضية لدونالد ترامب الذي فاز في الانتخابات الرئاسية التي أجريت سنة 2016. 

خلال الحملة الانتخابية التي أجريت في تلك السنة كان المسلمون من بين الأهداف المفضلة لدونالد ترامب، إلى جانب المكسيكيين واللاجئين والمهاجرين بصفة عامة. فقد تحدث ترامب آنذاك عن مشروع بناء جدار لمنع المكسيكيين من دخول الأراضي الأمريكية, كما تعهد بمنع المسلمين من القدوم إلى الولايات المتحدة وتشديد المراقبة على أولئك الذين يعيشون فيها. 

إثر الانتهاء من تنصيبه رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية أصدر الرئيس دونالد ترامب أمرا تنفيذيا ينص على تعليق وفرض قيود على المهاجرين من سبع دول يشكل العرب والمسلمون أغلبية سكانها وهو ما لم يشكل مفاجأة نظرا إلى ما تعهد به في حملته الانتخابية. كان ذلك الأمر إجراء عقابيا وغير مبرر.

كان أولئك الذين تعرضوا إلى الإقصاء في أغلبهم من الطلاب والزوار من أفراد العائلات أو من رجال الأعمال. فقد ألغت الإدارة الأمريكية ما بين ستين ومائة ألف من الأبرياء الذين اعتقلوا واستجوبوا ليتم ترحيل الكثير منهم بعد ذلك إلى بلدانهم الأصلية. 

ردا على الأحكام التي كانت تصدرها المحاكم والتي تعتبر أن ترامب يستهدف المسلمين بشكل غير عادل عمد دونالد ترامب إلى إصدار المزيد من القرارات التنفيذية التي استهدف من خلالها الدول. ظلت القائمة تشمل على وجه الخصوص الدول ذات الأغلبية من العرب والمسلمين. 

في خطوة أخرى لا تقل قساوة قلص الرئيس دونالد ترامب من عدد اللاجئين الذين يسمح لهم بالدخول إلى الولايات المتحدة الأمريكية من أكثر من 110 آلاف شخص في ظل إدارة باراك أوباما إلى أقل من 20 ألفا.

أبدت إدارة الرئيس ترامب على وجه الخصوص مخاوفها من الوضع الذي يعيشه المسيحيون غير أن ذلك التقليص الكبير في عدد اللاجئين والحظر المفروض على الهجرة من الدول المستهدفة في القائمة أثر كثيرا على العرب بقطع النظر عن انتماءاتهم الدينية والعقائدية. 

خلاصة القول، ذلك الخطاب وتلك السياسات التي تتبناها إدارة دونالد ترامب كانت في حقيقة الأمر نتاج عقود كاملة من المواقف التي ظل يتخذها الحزب الجمهوري والتي ظل يستهدف من خلالها العرب والمسلمين.

أما الديمقراطيون فقد فشلوا إلى حد كبير في التصدي لتلك السياسات، التي تعتبر نتاج تاريخ مليء بالمواقف المتعصبة التي ظلت تغذي جرائم الكراهية التي تستهدف جالياتنا. لقد سممت البئر ولن يكون من السهل إصلاح الضرر الذي حصل. لقد بات التحدي واضحا وبينا. يجب وضع سياسات للهجرة على أساس لا يكرس التمييز. 

يجب اتخاذ قرار بزيادة كبيرة في أعداء المهاجرين وطالبي اللجوء تلبية لازدياد الطلب العالمي. يجب العمل أيضا على سد تلك الثغرات التي تجعل العرب والمسلمين عرضة لمسؤولي الهجرة وحرس الحدود, كما يجب علينا مكافحة الخطاب والسياسات المعادية للعرب والمسلمين وبناء علاقاتنا مع هذه الجماعات والجاليات على أساس انتمائهم للولايات المتحدة الأمريكية، بدل أن يكون ذلك على أساس الدواعي الأمنية.

‭{‬ رئيس المعهد العربي الأمريكي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news