العدد : ١٥٨٩٢ - الأحد ٢٦ سبتمبر ٢٠٢١ م، الموافق ١٩ صفر ١٤٤٣هـ

العدد : ١٥٨٩٢ - الأحد ٢٦ سبتمبر ٢٠٢١ م، الموافق ١٩ صفر ١٤٤٣هـ

قضايا و آراء

الأهـمية الاسـتـراتيجـية لـتـوطين الصـنـاعات الـعسـكـرية الخـلـيجــية

بقلم: د. أشرف محمد كشك {

الاثنين ٢٦ أكتوبر ٢٠٢٠ - 02:00

في الرابع عشر من أكتوبر 2020 أعلنت وزارة الدفاع والهيئة العامة للصناعات العسكرية السعودية عن تدشين وتوطين أول زورق اعتراض سريع تم تصنيعه محليًا، فضلاً عن تدشين أول حوض عائم ضمن خطة توطين الصناعات العسكرية في المملكة العربية السعودية، وعلى الرغم من أن تلك الجهود تأتي ضمن رؤية المملكة 2030 التي استهدفت توطين 50% من الصناعات العسكرية بالسعودية بحلول عام 2030 فبرأيي أن نجاح السعودية في العمل بوتيرة منتظمة لتنفيذ مضامين تلك الرؤية ستكون له أبعاد استراتيجية بالغة الأهمية سواء ما يرتبط بالمملكة ذاتها أو الإطارين الإقليمي والدولي، فبالنسبة للسعودية، صحيح أن الصناعات الدفاعية مهمة لأي دولة بالنظر إلى كونها مجالاً مهمًا لجذب الاستثمارات وتحقيق المزيد من الشراكة بين القطاعين العام والخاص إلا أن قوة السعودية باعتبارها قاطرة تجمع مجلس التعاون لدول الخليج العربي كتنظيم للأمن الإقليمي تكتسب أهمية بالغة تضاهي دور الولايات المتحدة الأمريكية ضمن حلف شمال الأطلسي «الناتو»، وما يرتبه ذلك الدور من الحرص على نجاح التنظيم الإقليمي واستمرار بقائه، وعلى صعيد الأمن الإقليمي على الرغم من وجود العديد من مسببات التوتر الإقليمي - لا يتسع المقال لتناولها - فإنه في تصوري أن المعضلة الأساسية التي إن تمت معالجتها ستكون مدخلاً مهمًا لتحقيق الأمن الإقليمي تتمثل في توازن القوى الإقليمي وهو الذي يفسر سيادة الأمن والاستقرار في أوروبا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، ولا شك أن الاستمرار في تعزيز التسلح الذاتي الخليجي سيكون مدخلاً مهمًا في هذا الشـأن وخاصة على الصعيد النوعي، ففي ظل تراجع مخاطر الحروب البرية لوحظ تنامي التهديدات البحرية وتجاوز الأمر مخاطر القرصنة ليطال ناقلات النفط وهو ما يكسب توطين الصناعات البحرية الخليجية أهمية قصوى، وعلى الصعيد الدولي، مع أهمية تحالفات وشراكات دول الخليج مع القوى الكبرى فإن الجدل الذي يثار بشأن آليات الحصول على الأسلحة المتطورة التي ترغب دول الخليج في الحصول عليها يجعل من تطوير صناعات عسكرية محلية بالتوازي مع مشتريات الأسلحة ضرورة استراتيجية.ومع التسليم بأن قضية توطين الصناعات العسكرية الخليجية قد أضحت أحد أهم الأولويات بالنسبة لدول الخليج العربي كافة فإن تلك القضية لا تزال تثير الكثير من النقاشات تناول جانبًا منها مؤتمر التكنولوجيا العسكرية في الشرق الأوسط الذي عقد في أكتوبر عام 2019 تزامنًا مع معرض البحرين الدولي الثاني للدفاع. ومجمل تلك النقاشات أن هناك إطارين متكاملين بشأن نجاح توطين الصناعات العسكرية الخليجية. الإطار الأول: الإطار المحلي ويجب أن يتضمن القدرة على تمويل تلك الصناعات التي تحتاج الى استثمارات ضخمة, وهنا يبرز دور القطاع الخاص الذي ستكون مساهمته أساسية وفعالة، فضلاً عن الركيزة التشريعية بشأن قوانين الاستثمار في ذلك المجال، بالإضافة إلى توافر الكوادر البشرية التي لديها القدرة على تصنيع وصيانة تلك الأسلحة وما يتطلبه ذلك من مهارات تعليمية وتدريبية نوعية، أما الإطار الثاني: فهو الإطار العالمي، فقطاع التصنيع العسكري كغيره من القطاعات الحيوية الأخرى يشهد تنافسًا دوليًا محمومًا بين شركات الأسلحة التي تسعى لأن تلبي منتجاتها الاحتياجات الحقيقية للدول المستوردة لمنتجاتها وهي بلا شك تكون وفقًا لمعايير دولية بما يعنيه ذلك من حتمية أن تكون المنتجات العسكرية المحلية مطابقة لتلك المعايير الدولية سواء من حيث الجودة أو طرق النقل والتخزين.

لقد قطعت المملكة العربية السعودية شوطًا مهمًا في وضع أسس توطين الصناعات العسكرية, ومنها ما تم الإعلان عنه في يونيو من العام الحالي بشأن منح الهيئة العامة للصناعات العسكرية السعودية تراخيص لـ18 شركة جديدة للعمل في مجال التصنيع العسكري ليبلغ إجمالي عدد الشركات العاملة في هذا المجال 38 شركة وبحجم استثمارات متوقع يبلغ 9.5 مليارات ريال، فضلاً عن التعاون بين الهيئة العامة للصناعات العسكرية والهيئة السعودية للمناطق الصناعية ومدن التقنية «مدن» بهدف تقديم حوافز للمستثمرين في هذا المجال، بالإضافة إلى حرص المملكة العربية السعودية على تأسيس عدة شراكات مع عدد من كبريات الشركات العالمية ذات الصلة بتوطين التقنيات العسكرية, ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر حصول الشركة السعودية للتقنيات المتقدمة «وهج» على رخصة الجودة من شركة بي إيه إي سيستمز التي تتخذ من العاصمة البريطانية لندن مقرًا لها، لتكون بذلك أول شركة سعودية تقوم بتصنيع مكونات طائرات التايفون الميكانيكية في المملكة.

ومع أهمية إسهام توطين الصناعات العسكرية الخليجية عمومًا في توفير فرص عمل وجذب الاستثمارات، بالإضافة إلى أنها متطلب استراتيجي بالنظر إلى المخاطر التي تواجه أمن دول الخليج العربي توجد خمسة متطلبات يتعين وضعها بالاعتبار ضمن عملية توطين تلك الصناعات, أولها: ضرورة تنسيق جهود الدول الخليجية في هذا الشأن حتى يمكن تحقيق التنوع بشأن توطين تلك الصناعة المهمة، وثانيها: أهمية أن يتلاءم التوطين وآليات التكامل العسكري بين دول الخليج. فعلى سبيل المثال نجد أن إعلان تركيا رفض إدماج أنظمة الصواريخ إس 400 ضمن الدرع الصاروخي لحلف الناتو قد أثار الكثير من الجدل وخاصة بالنسبة لتوتر علاقات تركيا مع الحلف، وثالثها: تحديد نسب معينة للتوطين خلال الفترة الزمنية التي تضمنتها الخطط التنموية بما يتلاءم والمتطلبات الاقتصادية والبشرية، حيث إن التقييم المرحلي من شأنه أن يمثل أساسًا للانطلاق نحو المرحلة التالية من خلال تحديد الأهداف والموارد وآليات التنفيذ، ورابعها: ضرورة إيلاء تدريب العناصر البشرية أهمية بالغة لأن دورها يتكامل مع التقنيات الحديثة التي تتسارع وتيرتها بشكل لافت ومنها استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في مجال الدفاع وهو المجال الذي خصصت له الدول الكبرى في العالم ميزانيات هائلة، بل ان تخصيص نسب للدراسات الدفاعية المتخصصة في الخارج ضمن نظام الابتعاث يعد أمرًا مهمًا، وخامسها: أهمية ترسيخ مفهوم أن توطين الصناعات العسكرية في دول الخليج العربي عملية تتجاوز الأبعاد الاقتصادية والاستثمارية لتكون مطلبًا استراتيجيًا ومسألة مصير بما يعنيه ذلك من أنه لا بد أن يسهم فيه الجميع سواء المؤسسات البحثية المعنية أو الشركات الداعمة بل أن وسائل الإعلام ذاتها تقع على عاتقها مسؤولية كبيرة في تناول تلك القضية بما يتوازى مع أهميتها ليس لتحفيز المستثمرين فحسب بل التأكيد على أنها جوهر الأمن الوطني لدول الخليج العربي.

ومجمل القول أنه إذا كان توطين الصناعات العسكرية أحد مرتكزات تأسيس الأمن الذاتي الخليجي ومن ثم تحقيق توازن القوى الإقليمي فإن الحروب الحديثة «اللا متماثلة» قد جعلت ذلك الأمر أكثر إلحاحًا لكون تلك الحروب فادحة الخسائر ورخيصة الكلفة ليس أقلها طائرات الدرونز والإرهاب السيبراني وتهديدات الأمن البحري. 

‭{‬ مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية بمركزالبحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة «دراسات»

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news