العدد : ١٥٥٦٢ - السبت ٣١ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٤ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٦٢ - السبت ٣١ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٤ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

مقالات

الموازنة بين حقوق الإنسان وواجباته

بقلم: المحامية هنادي الجودر

الأحد ١٨ أكتوبر ٢٠٢٠ - 02:00

(الموازنة بين حقوق الإنسان وواجباته) جدليّة أثارها رئيس تحرير صحيفة «أخبار الخليج» الأستاذ أنور عبدالرحمن في ورشة العمل الرابعة التي نظّمتها وزارة الخارجية بعنوان (دور المؤسسات الوطنية ومنظمات المجتمع المدني في تعزيز وتطوير حقوق الإنسان) في إطار مشروع وضع الخطة الوطنية الشاملة لحقوق الإنسان في مملكة البحرين التي استبقت بها نظيراتها من دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي، فقد كانت حقوق الإنسان محورًا مهمًّا من المحاور الدولية التي استقرت في بؤرة شعور المجتمع الدولي بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، وأقلقت آثارها الأمم جرّاء الويلات التي لحقت بالبشرية بسببها ودقّت نواقيس الخطر حول مستقبل البشرية والمدنية الحضارية، الأمر الذي جعل الأمم تتطلع إلى عالم ما بعد الحرب، عالم يسوده السلام والتسامح واحترام حسن الجوار، من خلال استبعاد الحلول العسكرية والاتجاه إلى الحلول الودّية عبر الدبلوماسية الدولية لحل أي نزاع قد يطرأ بين دولتين أو أكثر، حيث ترسّخت هذه التطلعات بإصدار ميثاق الأمم المتحدة عام 1945، الذي يعتبر أهم المواثيق الدولية المعاصرة التي حُررت للتأكيد على إيمان الأمم (بالحقوق الأساسية للإنسان وبكرامة الفرد وقدره وبما للرجال والنساء والأمم كبيرها وصغيرها من حقوق متساوية) وتعزيز هذه الحقوق بصدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والشرعة الدولية لحقوق الإنسان، حيث جاء السؤال كالآتي: غالبًا يكون محور الحديث هو حقوق الإنسان، ولكن ما هي واجبات الإنسان؟

وهو سؤال فلسفي وجدلي، يستحق وقفة تأمل وتحليل، حتى حرّضني على البحث في موضوعه وطرحه في هذا المقال المتواضع، فالحق بالمعنى الاصطلاحي هو مصلحة يُثبتها القانون ويُقرّها لكافة الأفراد على حدّ سواء، فتخوّلهم القيام بأعمال ضرورية لتحقيق هذه المصلحة مع التزامهم جميعًا باحترام القانون، فهو عبارة عن قواعد أساسية ومعيارية للاستحقاق أو لنيل الحرية، توضع وفقًا للعادات الاجتماعية، أو النظريات الأخلاقية السائدة في المجتمع، أو النظام القانوني لها، حيث توضّح الأفعال المسموح بها للأشخاص أو المستحقين من الناس، أما الواجب فهو أيّ شيء يجب على الفرد القيام به أو يكون من المتوقّع القيام به بدافع من الالتزام الأخلاقي أو القانوني (تعريف الحقوق والواجبات، هديل نادر)، فالأصل إذن أن الحقوق والواجبات في موضوع البحث هما وجهان لعملة واحدة، تُسمّى بحقوق الإنسان، يتداخلان معًا ويكملان بعضهما ليتحقق الحق، فكل حق يقابله واجب.

الجدير بالذكر أن مواثيق حقوق الإنسان الدولية جاءت لتحدد وتنظم العلاقة بين الفرد والسلطة داخل الدولة، وأن التزام الدول التي انضمت إلى هذه المواثيق الدولية وصادقت عليها كان بمثابة تعهد من قبل هذه الدول أمام المجتمع الدولي باحترام وتعزيز وحماية حقوق الإنسان لكل الخاضعين لولايتها القضائية، وإعلان بقبولها لآليات الرقابة والحماية الدولية والوطنية، تأصيلاً لنظرية العقد الاجتماعي (وفقًا للفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو) التي أكدّت أن حاجة الأفراد إلى وجود سلطة تُنظم مصالحهم قد جعلتهم يتنازلون عن جزء من حرّياتهم الأصلية والطبيعية مقابل الحصول على الأمن والحماية، ومن هنا وجدت السلطة عن طريق العقد الاجتماعي، وحيث إن كل عقد تنشأ عنه حقوق والتزامات (واجبات) متقابلة، فمن هنا تنهض جدلية حقوق الإنسان، فواجبات الدولة هي كفالة وتعزيز واحترام حقوق الإنسان، يقابلها واجب على الإنسان الذي سيتمتع بهذه الحقوق.

وفي قراءة لدستور مملكة البحرين المعدّل 2002، نجد أنه نظّم حقوق المواطن البحريني وحرّياته المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية جميعها بشكل مفصل وعادل وأكد عدم مساس أي قانون يصدر بجوهر هذه الحقوق والحريات، فتناول الباب الثاني منه (مقومات المجتمع الأساسية) وتناول الباب الثالث (الحقوق والواجبات العامة)، وهو تأصيل لحقيقة أن كل حق يقابله واجب، تمامًا كما جاء في صريح نص الفقرة الأولى من المادة (13) من الدستور على أن: (العمل واجب على كل مواطن، تقتضيه الكرامة ويستوجبه الخير العام، ولكل مواطن الحق في العمل وفي اختيار نوعه وفقا للنظام العام والآداب)، ولنتّخذ من الحق في العمل مثالاً، لنصل إلى إجابة للجدلية المطروحة، فالحق في العمل هو حق للإنسان تكفله المواثيق الدولية والتشريعات الوطنية لمواطنيها وهو في الوقت ذاته واجب على المواطن كي يكون لبنة من لبنات البناء الاقتصادي والاجتماعي والتنموي لوطنه، لتثور هنا مجموعة من الأسئلة: كم مواطنا يتمتع بحقه في العمل يقوم بواجبه تجاه هذا الحق على أكمل وجه؟ وما هو حجم إنتاجية كل عامل أثناء ساعات العمل؟ وهل يتم تخصيص ساعات العمل لصالح أداء العمل بشكل فعلي وتحسين الأداء والإنتاجية؟.. الخ من الأسئلة المتعلقة بهذا الحق وسواه من الحقوق والواجبات.

الخلاصة التي توصلت إليها أن حقوق الإنسان التي تكفلها الدساتير والمواثيق الدولية بشكل صريح والتي يتمتع بها الخاضعون للولاية القضائية للدولة من المواطنين وغير المواطنين، يقترن بها التزام ضمني بواجبات من الإنسان تجاه الدولة وبقية أفراد المجتمع فيها وتجاه الإنسانية بشكل عام، واجبات يجب أن يؤديها كل مواطن في دولته بدافع من إنسانيته التي يحدوها الحب، التسامح، الوفاء، الانتماء، الولاء والامتنان لنعمة الوطن، لا خشية توقيع جزاءات إدارية أو عقوبات جنائية، وبها تتحقق المواطنة الصالحة التي تقتضي الوعي بأهمية الانتماء والمشاركة في البناء والفاعلية في الأداء، فالأصل أن أهم واجبات الإنسان هو أن يكون مواطنًا صالحًا حتى يتمتع هو وبقية أفراد المجتمع الإنساني بكرامتهم الإنسانية وبالحقوق مجتمعة في تناغم وتكامل بلا مساس، فالمواطنة الصالحة هي أهم واجبات أي إنسان التي إذا تحققت يكون قد أوفى واستوفى حقوق الإنسان، وهي التي سيحملها في وعيه أينما وُجد وسوف تحميه تحت أي ولاية قضائية يخضع لها سواء كان في وطنه أو خارجه.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news