العدد : ١٥٥٨٦ - الثلاثاء ٢٤ نوفمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٩ ربيع الآخر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٨٦ - الثلاثاء ٢٤ نوفمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٩ ربيع الآخر ١٤٤٢هـ

حديث القلب

حامد عزت الصياد

مريم بوجيتو

ما أروع هذه الفتاة المسلمة وهي تردد بأعلى صوتها تحت قبة البرلمان الفرنسي «إنها عقيدتي!!، وحجابي ليس له وظيفة سياسية».

«مريم بوجيتو» رئيسة أكبر تنظيم طلابي في جامعة السوربون منذ نحو عامين تقريبا، كانت هي القطرة التي فاض منها الكأس، والقضية المحورية التي فجرت أزمة حقيقية في عموم فرنسا بسبب حضورها بالحجاب جلسة للبرلمان الفرنسي، لمناقشة «مستقبل الشباب في ظل مواجهة وباء كورونا»، وإجراء مقابلة لها عن ذلك وهي مرتدية الحجاب على تلفزيون متروبول «m6» في أواخر سبتمبر الماضي..

تعلمون حضراتكم أن «الحجاب» يشكل خلية أزمة، وحالة طوارئ في عموم أوروبا، لكن الاتحاد الوطني لطلبة فرنسا، أدان الانتقادات الشديدة اللهجة للبرلمانيين والوزراء الفرنسيين على خلفية ارتداء «مريم بوجيتو» الحجاب، واصفا تصرفهم العنصري بالانحياز الأعمى للتمييز الجنسي المعادي للإسلام، وانتهاك مبدأ العلمانية الفرنكفونية، والجدل الوهمي حول الحجاب، والتشويه المتعمد لصورة المسلمين، واستبعادهم من الانخراط في المجتمع الفرنسي. 

ليس من السهل التفريق بين الفتاة المسلمة ذات الواحد والعشرين ربيعا، المنحدرة من أبوين فرنسيين، وبين ظاهرة العنف والإساءة التي تعاني منها المرأة المحجبة في فرنسا، نتيجة سياسات الدول الاوروبية الخاطئة حتى يقع الضرر على النساء بسبب الحجاب، والإعلان دوما أنهم في حرب ضد الإرهاب، وهم يقصدون به «دين الإسلام».

«مريم بوجيتو» انخرطت في دراستها الجامعية عن ممارسة الدول لأساليب القمع والعنف ضد مواطنيها، وأدركت أن العنف والتمييز ضد النساء في بلدها هو السمة السائدة في جميع نظم الحكم التي عاصرتها، أو التي اطلعت عليها، ولا سيما المخاطر التي تحملها معاني الفرنكوفونية الفرنسية على المسلمين دينا ولغة وثقافة وحضارة ونسيجا اجتماعيا، وإحلال القوانين العلمانية بدلا من قوانين الحكم والمساواة والمواريث والحدود والحجاب، وإدخال اللغة الفرنسية في مناهج التعليم بهدف خلخلة القيم الدينية والأخلاقية في المجتمعات المسلمة، وتزييف الوعي بالحياة الغربية الفاسدة، وتسويق الشذوذ والمثلية الجنسية، من خلال البث التلفريوني والفضائي وتطبيقات الإنترنت والتكنولوجيا، وفرض الهيمنة الفكرية والثقافية والسياسية والاقتصادية من خلال طبقة الفنانين والمثقفين والإعلاميين وأصحاب القرار داخل وخارج فرنسا.

في هذه السن المبكرة من العمر، أدركت «مريم بوجيتو» أن مبدأ المساواة والمشاركة في المجتمع الفرنسي أصبح هو الاستثناء، وأن تشتيت شمل المجتمعات المسلمة في فرنسا وبث الخلافات فيما بينهم حول المساواة لا بد له من ضوابط، ولكونها عرفت هموم المرأة المحجبة، وسخرت نفسها لحمل قضية الحجاب، ونشر ثقافة التعايش السلمي، واحترام الآخرين، وعاشت في ظل دولة تعلن تطبيقها للمشاركة المجتمعية والمساواة وحماية الأفراد، وتتحدث علنا باسم الإنسانية وحقوق الإنسان، ما حملها على مطالبة الحكومة مرارا وتكرارا بحماية النساء المحجبات اللاتي تتعرض للانتهاكات من الجماعات المسلحة التي تكون عصابات جرائم ضد المسلمين الأبرياء من دون أن تردعهم الدولة.

الفهم الواسع للفتاة لحقيقة ما يجري في بلادها، أحدث ثورة على الأنماط من القيم والعادات ضمن عدة ملفات ساخنة، وهو ما يعني فشل الحكومة في أن تأخذ الاحتياطات لكي تحمي مواطنيها من هذه الجماعات المتطرفة، وسببت «مريم» بذلك إرباكا لهم، ما جعلها في دائرة الاستهداف بحملة إعلامية من الانتقادات الشديدة اللهجة، ولا سيما إذا ما صدرت هذه الانتقادات المريرة من رئيس الوزراء السابق «مانويل فالس»، ووزير الداخلية الحالي «جيرالد دارمانان»، وسياسيين وبرلمانيين، وحتى من ساكن الإليزيه نفسه، الذي انفعل تحريضا بخطاب تسويقي، انتخابي، تضليلي، خلط فيه «اللبن بالخل» عن حقيقة الإسلام كديانة سماوية سمحة، وأعلن بلا مواربة، أن «الإسلام» يعيش في أزمة.

هذه التصريحات العنصرية المستفزة، أثارت مشاعر الملايين من المسلمين حول العالم، لكنهم أفهموا صاحبها بهدوء وبساطة، أن «دين الإسلام» هو الذي منح بلاده الحرية، والنظافة، وعلم أوروبا الحضارة، وأرسى بينهم العدالة، وأصبح في فرنسا الآن نحو 12 مليون مسلم في التقدير الواقعي، وأخبروه بوجود معاقل في جنوب بلاده لطوائف مسيحية تمت إبادتها بالكامل، وأن الكاثوليكية التي يتعصب لها، هي التي أبادت مئات الآلاف من البروتستانت، والشاهد على ذلك 60 ألفا في مذبحة «سان بارتيميلي»، وسألوه عن سياسة بلاده الاستعمارية في تشاد، والنيجر، وكينيا، ومالي، وبوركينا فاسو، وغانا، وغينيا، والكونغو، وجيبوتي، وسوريا، ولبنان، ومصر، وبلاد المغرب العربي.

في الختام، «إنها عقيدتي»، قالتها الفتاة الفرنسية المسلمة «مريم بوجيتو» بقناعة، وبأعلى صوتها، فحركت مياه المسلمين الراكدة، لتقول للعالم أجمع، ها أنذا أمامكم بحجابي، مصدر لعزي، وفخري، وشرفي، وتاج لرأسي. 

إقرأ أيضا لـ"حامد عزت الصياد"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news