العدد : ١٥٥٨٦ - الثلاثاء ٢٤ نوفمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٩ ربيع الآخر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٨٦ - الثلاثاء ٢٤ نوفمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٩ ربيع الآخر ١٤٤٢هـ

حديث القلب

حامد عزت الصياد

العبث النووي

هؤلاء لا يشعرون بالإثم، ولا يعترفون بالخطيئة، وفقدوا الإحساس بتأنيب الضمير.

منذ 20 سنة تقريبا، ليس ثمة اتفاقيات دولية قيد التطبيق للحد من إنتاج الأسلحة الاستراتيجية والنووية حتى الآن، فكل ما نسمعه عن اتفاقيات للحد من خفض تلك الأسلحة عبث، ومحض هراء، وليس فيها ثمة منطق صدق، يحمل بلاغا متزنا يقبله العقل، ويطمئن القلب، ويريح الوجدان. 

عدم الشعور بالإثم لا يمكن استخراجه من مصل دم بعض الدول المصابة بالفصام إذا لم تلزمها تلك الاتفاقيات الدولية بإنهاء شرعية الحرب الباردة بالعمل على تخفيض تلك الأسلحة لضمان الأمن والسلم الدوليين، ومن ثم تحدث تحولا نوعيا في طبيعة العلاقات «بتعافي الاستقرار» بينها وبين نظرائها المنافسين، حتى بلغ تطور إنتاج تلك الرؤوس لخمس دول كبرى خلال 50 عاما انتهاء بعام 1995 نحو 43176 رأسا نووية بحسب «تقرير مجلس الدفاع الوطني الأمريكي».

أما عدم اعتراف الدول الكبرى باقتراف الخطيئة، ليس سلوكا نجم عن تعطيل التفكير لديها يمكن زواله بالعقاقير والمحاليل الطبية، فقد تجاوزت هذه الدول تلك الخطيئة حد عدم تأنيب الضمير، حين استخدمت سبع دول كبرى منها تلك القدرات الصاروخية في تجارب نووية بلغ عددها 2056 تجربة نووية من سنة 1945 حتى 1998، بحسب «نفس التقرير السابق»، ثم انطلقت بها إلى برامج الفضاء، وأقمار التجسس، والاستطلاع، والاتصالات، والبحوث العلمية والطبية، والتكنولوجيا، وتطوير أسلحة الدمار الشامل.

سبع دول أوقفت نشاطها النووي نهائيا وانضمت إلى معاهدة حظر التجارب النووية منذ أوائل التسعينيات وهي بلاروسيا، وأوكرانيا، وكازاخستان، والبرازيل، وجنوب إفريقيا، والأرجنتين، والجزائر، بينما البعض مازال يرغب في امتلاك هذا السلاح، لكن تسع دول كبرى تسكن معك في هذا الكوكب، ترفع ضغطك، وتستثير أعصابك، وتخفض ضربات قلبك، حين تعلم أنها تمتلك الآن 13400 رأس نووية، وقاذفات صواريخ، وترسانات حربية في ظل افتقار نظم التفتيش وعدم الشفافية، وإبراز العضلات برفض التفاوض، وعدم احترام الاتفاقيات الدولية الموقعة، والاختلافات بشأن نزع التسلح، واعتبارها ذريعة للتخلي بسهولة عن تلك المعاهدات. 

بحسب التقرير الأخير الصادر عن المعهد الدولي لأبحاث السلام في ستوكهولم، تؤكد «شبكة الفوكس نيوز» أن 90% من الأسلحة النووية حول العالم هذا العام 2020، تمتلكها روسيا والولايات المتحدة الأمريكية، فالأولى تمتلك 6375 رأسا حربية نووية، والثانية تمتلك 5800 رأس، مقابل 320 لبكين، و290 لباريس، و215 للندن، و140 للهند، و160 لباكستان، و90 لإسرائيل، و40 رأسا نووية لكوريا الشمالية.

صحيح أن هناك اتفاقيات تم إعلان توقيعها بين الأطراف المنتجة لتلك الأسلحة «كمعاهدة ستارت» التي وقع عليها الرئيس الأمريكي «أوباما» ونظيره الروسي «ميديديف» سنة 2010، كشعور بلديهما بالواجب الذي يحفز التسامي بالمسؤولية واعتبار هذه المعاهدة رسالة سلام للدول والشعوب والحكومات، واتفاقيات أخرى معدومة الشعور من الواجب الخلقي، تم الانسحاب منها بتدابير سلبية «كمعاهدة القوى النووية متوسطة المدى» والتي وقع عليها البلدان سنة 1987، بينما تتهرب الصين من المشاركة في المفاوضات بينها وبين روسيا والولايات المتحدة.

النظام الدولي القائم على القانون، عاجز حتى الآن عن نزع تلك الأسلحة، لكن وسط تلك التجاذبات للرؤوس النووية التي يتم إطلاقها عمدا من القواعد البرية أو البحرية أو الجوية في السر أو العلن، ليس بدعا أن يستشعر المرء منها الحقيقة المؤلمة حول اختفاء الملايين من الكائنات الحية، وانعدام الحياة الفطرية، وتلوث الفضاء والبحار والصحاري والمحيطات، واختلال الأنظمة البيئية في القطبين الشمالي والجنوبي والغابات الاستوائية، فالامتدادات المستمرة لتطوير الأسلحة الاستراتيجية والنووية لتصبح أشد فتكا ودمارا، تؤكد أن الإنسان لم يعد ضائعا في الكون وحسب، بل أصبح فاقدا للوعي، ترتفع به درجة الخوف والإحباط والقلق الهستيري إلى حد يخل بتوازن الدورة الدموية، فلا هو يعرف إن كان هذا الخلل ناتجا عن ضغط الدم المرتفع، أو فقد القدرة على الإحساس بما يثير انفعاله.

في الختام، هذه الأسلحة المحرمة دوليا، حقيقة مؤكدة تتجاوزها ساعة الخجل، والارتباك، وحرمان المخ من حاجته إلى الأوكسجين، بوصف هذه المعاهدات مظهرا من مظاهر الخلل في المنظومة الأمنية الدولية، الباعثة على الشؤم، والخوف، والقلق الهستيري، وتقويض الاستقرار الاستراتيجي، والعجز عن صيانة السلم الدولي.

إقرأ أيضا لـ"حامد عزت الصياد"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news