العدد : ١٦٣١٩ - الأحد ٢٧ نوفمبر ٢٠٢٢ م، الموافق ٠٣ جمادى الاول ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٣١٩ - الأحد ٢٧ نوفمبر ٢٠٢٢ م، الموافق ٠٣ جمادى الاول ١٤٤٤هـ

رسائل

خطط لتطوير دور القوات المسلحة والسياسة الخارجية في بريطانيا

مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية

الثلاثاء ٢٩ ٢٠٢٠ - 02:00

في أعقاب انسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي في 31 يناير 2020، شرعت حكومة المحافظين بقيادة «بوريس جونسون» في مراجعة الإنفاق الدفاعي في البلاد لإعادة تقييم دور بريطانيا العالمي في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، بحجة أنها لا يمكنها أن «تعيش على أمجاد الماضي»، حيث تمت الإشارة إلى رصد زيادة في ميزانية هذا القطاع، وأكد رئيس أركان الجيش البريطاني الجنرال «نيك كارتر» هذه الأهداف الطموحة، وأن العالم «عاد إلى عصر التنافس بين القوى العظمى، والصراع المستمر»، وأن هذا التحدي «يتطلب استجابة استراتيجية تدمج كل أدوات السلطة الوطنية».

ومع ذلك، وبعد عدة أشهر، ومجيء جائحة كورونا في وقت لاحق، اختلف الوضع اختلافا كبيرا، وبدلا من تعزيز تمويل القوات المسلحة، تستعد الحكومة لخفض الإنفاق على الدفاع وتقليص حجم قواتها مرة أخرى، وتستمر عمليات مراجعة قطاعي الأمن والدفاع وتقييم دور القوات المسلحة والسياسة الخارجية، مع التركيز على قضايا مثل، مكافحة الإرهاب والمساعدة والتنمية الدولية. وعلى الرغم من ادعاء صحيفة «التليجراف»، أنها تعد «أكبر عملية مراجعة من نوعها منذ الحرب الباردة، إلا أنه لا يوجد أدنى شك في أن محتوياتها ستحمل أخبارا حزينة للقوات المسلحة البريطانية».

وفي الوقت الحالي، يتم النظر في التحديات الأمنية لعالم ما بعد كورونا ضمن هذه المراجعة. وحذر وزير الدفاع «بن والاس»، من أنه بعد زوال الجائحة سيواجه العالم «أزمة اقتصادية وصراعا وتنافسا أكبر». ومن بين المخاوف الرئيسية لأمن بريطانيا التي تم تحديدها؛ (الإرهاب، والعدوان الصيني، والتهديدات الإيرانية للشحن البحري في الخليج العربي، والإجراءات الروسية في شمال المحيط الأطلسي). 

ودعما لهذه الخطوات، اجتمع بالفعل في بداية يوليو رؤساء فروع القوات المسلحة (الجيش والبحرية والقوات الجوية) مع الوزراء والمسؤولين الحكوميين في برج لندن للبدء في التخطيط للتغييرات التي تشملها المراجعة الأمنية الجديدة، والتي ستكون مثيرة للجدل؛ لأنه كما يلاحظ «ديفيد أكس» من مجلة «فوربس»، «لم يتبق الكثير لتقليصه»؛ فقد أدت مراجعات الإنفاق في السنوات الأخيرة إلى خفض تدريجي لعدد أفراد الخدمة الذين تستخدمهم القوات المسلحة. ومنذ نهاية الحرب الباردة، تقلص الجيش بمقدار النصف، مع تخفيضات ملحوظة في عام 2010 تتضمن إزالة حاملتي طائرات وأربع فرقاطات وتخفيض القوى العاملة بمقدار 30.000 فرد.

وقبل الجائحة، بلغ الإنفاق السنوي على الدفاع في المملكة المتحدة 55 مليار دولار. وتوظف القوات المسلحة حاليا 196.000 فرد في الخطوط الأمامية والاحتياطي والبحرية والطيران والأدوار المدنية. وبموجب الخطط الجديدة، سيتم تقليص حجم الجيش بشكل كبير. وفي أسوأ الفروض، سينخفض حجم الجيش النظامي من 74.000 فرد إلى 55.000 فرد فقط. ووفقا لصحيفة «التايمز»، سيتم أيضا تخفيض عدد أفراد مشاة البحرية الملكية لتصبح «ذات دور صغير». ومن المقرر أن يتم حل لواء «الكوماندوز»، وستفقد قوات المدفعية والمهندسين وسفن الإنزال الدعم. كما ستشمل خطة إجراء التخفيضات سلاح الجو الملكي. وإذا تمت الموافقة على المقترحات، فسوف تغلق المطارات، وتُسحب طائرات نقل من طراز «هيركوليز»، وطائرات «هليكوبتر» من طراز بوما من الخدمة الفعلية.

وعلى الرغم من أن حجم التخفيضات مثير للدهشة وغير متوقع؛ فإن الضغط المالي لجائحة كورونا، والاتجاه المتزايد لتركيز الموارد على الأمن السيبراني وتكنولوجيا المعلومات أكثر من احتياجات القوات المسلحة التقليدية، جعلها ضرورة ملحة. وقبل تحديد التخفيضات المقترحة؛ تمت الموافقة بالفعل على تغييرات أخرى، حيث سيتم تغيير قوات البحرية الملكية الخاصة، مع نشر مجموعات الاستجابة الساحلية (ال ار جي) استجابة للأزمات مثل، الكوارث الإنسانية والحروب التقليدية. 

وفي الولايات المتحدة، تعد مبادرة «القوة 2030» مشروعًا مشابهًا، يسعى إلى تكييف قوات مشاة البحرية الأمريكية لمكافحة التهديدات المتعلقة بالصين. وإلى جانب هذا المحور الأمريكي تجاه شرق آسيا، يدرس الجيش البريطاني أيضًا استراتيجيات جديدة للتعامل مع بكين الأكثر تهديدا. وكجزء من هذه المراجعة الأمنية والدفاعية الجديدة، يتم النظر في علاقات أوثق مع الحلفاء الآسيويين واستخدام الذكاء الاصطناعي بشكل كبير.

وفي سباق التسلح التقليدي بين الغرب والصين تتخلف المملكة المتحدة عن الركب؛ لذا تسعى المراجعة الأمنية الجديدة إلى تحسين المعدات العسكرية. وتشمل الخيارات، طائرات بدون طيار وصواريخ جديدة، بالإضافة إلى زيادة التمويل لكيفية مكافحة أنظمة الدفاع الصينية المتطورة. وإذا تمت الموافقة عليها، فسيكون من المؤكد إجراء تقليص لعدد الأفراد العسكريين في الخطوط الأمامية.

ويشكل التحول إلى التركيز على «الدفاعات السيبرانية»، جزءًا من خطة لندن للحد من الاعتماد الصناعي للبلاد على الصين. وجرى تبني «مشروع الدفاع»، استجابة لمخاوف الخبراء من أنه بدلاً من النزاع المسلح التقليدي؛ ستستخدم بكين التهديدات السيبرانية وأمن المعلومات ضد بريطانيا. يقول «توبياس إلوود»، رئيس لجنة الدفاع بمجلس العموم: «نحن بحاجة إلى العمل على كيفية التعامل مع الصين التي ستتجاوز الولايات المتحدة اقتصاديًا وتقنيًا وعسكريًا خلال الفترة القادمة». وبالنسبة له، فإن «التحرك نحو التركيز على قدرات الأمن السيبراني يهمل قوة تقليدية بريطانية آخذة في التراجع بالفعل»، حيث يرى أن بريطانيا «تبالغ في تقدير قدرتها العسكرية بشكل عام، في حين أنها في الواقع في انخفاض منذ سنوات.. وستكتشف المخاطر التي قد تواجهها عندما يكون لزاما عليها المزيد من التطوير». 

من جانبه، أشار اللورد ويست لورد «سبيتهيد»، رئيس أركان البحرية السابق والمستشار الأمني إلى أن قدرات الدفاع السيبراني لا يمكنها أن تفعل الكثير إلا في معركة تقليدية، حيث قال: إن «وزارة المالية تعتقد دائمًا أن الإنترنت والذكاء الاصطناعي والفضاء هما وسيلة رخيصة لتنفيذ المهام..لا أعتقد أن هذه هي الطريقة المُثلى لكسب الحرب. في نهاية المطاف، تنتهي الحروب بقتل الناس وتحتاج إلى قدرة قتالية نشطة».

وإلى جانب الرغبة في تعزيز القدرات السيبرانية، يتزامن الابتعاد عن الأسلحة التقليدية مع حاجة الحكومات إلى الحد من الإنفاق العسكري في أعقاب جائحة الفيروس التاجي المدمر اقتصاديًا. وفي حين أن هذا لن ينال من ميزانيات 2020، التي تم الاتفاق عليها بالفعل وإقرارها؛ إلا أن ميزانيات الدفاع للسنوات المقبلة عرضة لتخفيضات ضخمة. وعلق «نيكولاس جوان»، محلل الفضاء والدفاع والأمن في شركة «جلوبال داتا»، بقوله: «من المحتمل أن يؤثر الركود الاقتصادي على ميزانيات السنة المالية 2021، حيث يتم حساب نفقات الدفاع عادة كنسبة مئوية من قيمة الناتج المحلي الإجمالي. وفي حال تراجعت عائدات الضرائب بسبب الركود، فمن المحتمل أن تتأثر مخصصات الدفاع».

وتأتي هذه التخفيضات، استجابة لمطالب وزارة الخزانة بأن تقوم كل وزارة حكومية كبيرة بخفض ما لا يقل عن 5% من إنفاقها. وعلى الرغم من تعهد البيان الانتخابي للمحافظين لعام 2019 بالالتزام بإنفاق 2% من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع، وزيادة هذا الإنفاق بنسبة 0.5% فوق التضخم كل عام، يبدو أن الجائحة قد أتت على هذه الخطط. كما يمكن القول إن من بين الداعمين الرئيسيين لضرورة التركيز أكثر على اتباع آليات الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي «دومينيك كامينغز»، كبير مستشاري رئيس الوزراء، «جونسون»، الذي وصف في وقت سابق عمليات المشتريات العسكرية بأنها «مهزلة»، واتهم الجيش بـ«الاستمرار في تبديد المليارات من الجنيهات، وإثراء بعض لصوص شركات السلاح وإفساد الحياة العامة على يد عدد من المسؤولين/ وجماعات الضغط في سبيل تمرير صفقات السلاح».

ويعد تأثير «كامينغز» في سياسة الحكومة البريطانية كبيرًا، ومكنه ذلك من العمل بما فوق سلطة كبار المسؤولين الآخرين. واستطاع بالفعل من خلال تنفيذ خطط الحكومة، شراء 45% من الأسهم -بقيمة 400 مليون جنيه إسترليني- في شركة الأقمار الصناعية «ون ويب» العالمية. ووفقًا لصحيفة «التايمز»، تم تنفيذ هذه الخطوة من دون علم مسبق من قبل البروفيسور «جون بيو» -من كلية «كينجز كوليدج»- رئيس ملف المراجعة الشاملة لسياسة الأمن والدفاع. علاوة على ذلك، قامت الحكومة مؤخرًا بالإطاحة بالسير «مارك سيدويل» من منصب مستشار الأمن القومي في خطوة من المتوقع أن تسمح لـ«كامينغز» بالقيام بدور رائد في ملف المراجعة والتطوير لسياسة الدفاع.

وكما هو الحال مع جهات وهيئات كثيرة داخل الحكومة البريطانية وإدارتها؛ يبدو أن علاقة كبير المستشارين مع قادة الدفاع مشحونة بالتوتر. ووفقًا لصحيفة «التايمز»، كان اجتماعه مع كبار القادة العسكريين في يونيو 2020 بمثابة «كارثة»؛ حيث غادر لقاءه مع قائد القوات المشتركة في الجيش البريطاني، الجنرال «باتريك ساندرز»، وذلك بعد أن رفض «تفاخر» قائد القوات المشتركة بقدرات الأمن السيبراني في المملكة المتحدة. ومن جانبها، نفت الحكومة نفسها أنها تخطط لإدخال تغييرات شاملة على قطاع الدفاع، وكان هذا التصريح على لسان أحد المتحدثين بقوله: إنه «من الخطأ القول بأن مجلس الوزراء يخطط لخفض الإنفاق على الدفاع. سوف نفي بالتزاماتنا الخاصة، بما في ذلك زيادة موازنة الدفاع.. نحن لا نعترف باعتبارات الاجتماعات وما يدور فيها».

ويشير خبراء ومحللو الصناعة العسكرية إلى أن هناك إجماعا على أن التخفيضات المستمرة للإنفاق في قطاع الدفاع لن تكون مستدامة. وتم تخفيض حجم القوات المسلحة إلى حد لا بأس به من حيث الحجم والفعالية في الثلاثين عامًا الماضية، كما أن التخفيضات الإضافية لا تؤدي إلا إلى تقليل التأثير على الساحة الدولية. وفي هذا السياق، حذر «المعهد الملكي للخدمات المتحدة»، (RUSI) من أن «الرد على أي أعمال عسكرية أو مناوشات طفيفة مع أي دولة أخرى مع الاحتفاظ بجميع الخيارات، حتى عند انخفاض عدد القوات أو الاستعداد، أصبح غير مستدام بالنظر إلى الحجم الحالي للقوات المسلحة».

وعلى الرغم من جميع التهديدات المتعلقة بخفض عدد القوات والإنفاق على المعدات العسكرية، فإنه من غير المعقول أن تكون «تلك السياسة الخطيرة» جزءًا شائعًا من عملية مراجعة وتطوير قطاع الدفاع. وتتعارض تلك التخفيضات مع ما يتم إنفاقه في نهاية المطاف على الكثير من العروض التي تستضيفها منطقة وستمنستر. وعلق عضو البرلمان «آلان ويليام جون ويست»، قائلا: «أتخيل أنه يتم الحديث عن كل تلك الأمور وخاصة خفض الإنفاق.. كثير من الناس قدموا أفكارا لمعرفة رد أعضاء البرلمان ووسائل الإعلام عليها.. وهذا ما يحدث على أرض الواقع».

على العموم، سواء كانت هذه التخفيضات الدفاعية سيتم تنفيذها بالشكل المقترح من قبل الحكومة أم لا، فمن الواضح أنها تشكل اتجاهًا خطيرًا يؤثر على الإنفاق على الأسلحة التقليدية، وأيضًا على بعض مجالات تطوير الأمن السيبراني وتكنولوجيا المعلومات. وفي حين أن مثل هذا النهج قد يوفر شكلاً من أشكال الدفاع ضد الهجمات الإلكترونية وعمليات التجسس الصينية، فإن إهمال القوات المسلحة للأسلحة التقليدية يخاطر بتراجع القوة الدفاعية البريطانية بشكل لا رجعة فيه على الساحة الدولية، وبالتالي يهدد مكانتها كصوت مؤثر وإيجابي عالميًا.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

//