العدد : ١٥٥٥٨ - الثلاثاء ٢٧ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٠ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٥٨ - الثلاثاء ٢٧ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٠ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

الاسلامي

الإنسان في القرآن (28)

الجمعة ٢٥ ٢٠٢٠ - 02:00

بقلم: عاطف الصبيحي

من غير الإنصاف أن نستعرض طرفا من آراء الفلاسفة الغربيين حول الأخلاق، وهل العلم ضرورة لاكتساب الأخلاق الحميدة واجتناب الرذيلة، من دون أن نستعرض آراء أعلام تراثنا في هذا المجال، وتجاهل دور العلم باكتساب الحميد من الصفات من قِبل باسكال وهربرت سبنسر، يقابله رأي أبو حامد الغزالي الرافض لهذا الاتجاه إذ يقول: «لو كانت الأخلاق لا تقبل التغيير لبطلت الوصايا والمواعظ والتأديبات»، ويردف الغزالي بالقول: «وكيف يُنكر هذا بحق الآدمي وتغير طباع البهيمة ممكن، إذ يُنقل البازي من الاستيحاش إلى الأُنس، والكلب من شره الأكل إلى التأدب والإمساك»، والفرس من الجِماح إلى الانقياد والسلاسة، ولِما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حسّنوا أخلاقكم»، إذ يتضمن هذا الحديث والتوجيه النبوي الكريم معنى رياضة النفس وترويضها، على الاستبدال والإحلال، واستبدال خُلق ذميم ليحل محله خُلق رفيع آخر، ومن معاني الأخلاق اللغوية هو العادة، والعادة لا تتمكن من الفرد إلا بعد مران وتكرار، وكيف لا ونبينا الكريم أُوتي جوامع الكِلم وأُختصر له الكلام اختصارا، عليه أفضل الصلاة والسلام.

كيف لا تكون لدراسة الأخلاق قيمة ومنفعة، والله يقول في مُحكم التنزيل «وذكّر فإن الذكرى تنفع المؤمنين»، وعلى معنى هذه الآية نخلص إلى أنّ: دراسة الأخلاق أمر ضروري ومُستحب، باعتباره وسيلة من وسائل تهذيب النفس وتربيتها، وهذا من الأُمور التي لا تقبل حرق المراحل، فالتذكير في الآية الكريمة يتطلب الإعادة والتكرار، وهذا يقتضي أخذ الزمن في عين الاعتبار، ولنا في الفترة المكية خير اعتبار، فهي فترة طالت إلى ثلاثة عشر عاما، حيث المهمة كانت تستهدف الفكر والعادات والأخلاق.

وفي الغاية من الذكرى في الآية السابقة أيضا التبصير بالفضائل وحُسن عاقبتها، والتعريف بالرذيلة وسوء مآلها، وقد كان لعلماء المسلمين السبق في هذا المجال، ما كان له الأثر الطيب على نفوس الناشئة من كل حقبة من حُقب التاريخ الإسلامي، من خلال ما خطّته أيديهم من مصنفات في مناقب السادة الكرام من أصحاب رسول الله والتابعين، وحتى يومنا هذا، فما منا إلا يلحظ التأثير الأخلاقي لشخصية ما، على بعض الناس، استهوتهم فضائل تلك الشخصية، فأصبحت نموذجا ومثالا لهم، يقتدي بها، وقد لَحظت هذا التأثير باديا جليا على شخصية الرئيس التونسي الذي فاز بالانتخابات التي جرت في بلاده مؤخرا ، فمن يستمع إليه لا يمكن أن يغفل عن تغلغل شخصية عمر بن الخطاب على شخصية الرجل، وآخر الملاحظات كانت كلماته التي قالها أثناء مشاركته في تجهيز الطرود الغذائية للعائلات المستورة، في جائحة فيروس كورونا، حيث اقتبس قول الفاروق، هذا القول تم استدعاؤه لتأكيد قول الغزالي، فهذا الرئيس لم يُعايش المثال الذي يحاول استرداده في حياته، ويُحيي به سياسته الداخلية، بل اكتسبه من خلال التعليم والدراسة.

إن استرداد النماذج الأخلاقية المُشعة من تراثنا لا يمكن إلا من خلال العلم والدراسة والاطلاع على فرع المناقب في مؤلفات السلف، والمُعاصرين لنا، والعقاد خير مثال على ذلك، فهو رحمه الله بكل العبقريات التي أنتجها عن ذلك الجيل النموذج، لم يجعل عبادتهم الشخصية الذاتية، محورا لأسفاره، بل ذهب إلى صفاتهم ذِكرا وتحليلا، بأسلوب يمتاز بالرشاقة والعلمية والرصانة، ما كان له الأثر الكبير على كثير من أبناء هذا الدين، وكاتب هذه السطور واحد منهم، ولي من المعارف الكثير الذين نقبوا بكتب العقاد تنقيب المُغرم، ومنهم من أعاد بعض الكتب التي تخللت وجدانه أكثر من مرة، فإلى العقاد بمرقده نُزجي له الدعاء، ونستمطر الرحمة له، ولا يفوتني في هذا المضمار من باب الأمانة العلمية أن أذكر الكاتب نظمي لوقا، الذي كتب حول شخصية الفاروق عمر، وقدّم إلى المكتبة العربية الكثير من الكتب، هذا الأثر الباقي من العقاد ومن لوقا يضطرنا إلى الدعاء لهم بالمغفرة والرحمة. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news