العدد : ١٥٥٥١ - الثلاثاء ٢٠ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٥١ - الثلاثاء ٢٠ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

قضايا و آراء

مؤشرات الأداء.. قياس للأداء والتطوير أم للتزيين والتسويق؟

بقلم: د. بسام الحمد

الثلاثاء ٢٢ ٢٠٢٠ - 02:00

قمت بتقديم استشارة لإحدى المؤسسات الحكومية لرفع كفاءتها في العملية التدريبية، وكان من ضمن مؤشرات الأداء: عدد الأشخاص الذين يحصلون على رد الموافقة لحضور الدورة التدريبية. وتوقعت من المؤسسة أن تحسّن من العمل الإداري وتقلل من عدد الموافقات لتعديل نسبة التأخير في الرد من 50% إلى 10%. الجميل أنهم نجحوا في تقليل النسبة، ولكن بدل أن يقوموا بتطوير أعمالهم الإدارية: قاموا بزيادة فترة الموافقة من أسبوعين إلى شهر كامل. تصوروا أن مؤشر الأداء قد تحسن بنسبة كبيرة، ولكنّ المؤسسة خدعت الجميع، لأنها قد أخرت الموافقة بدلاً من تسريع العملية. 

مؤشرات الأداء أو ما يعرف بالـ Key Performance Indicators (KPIs): مقياسٌ أساسي في العمل الاستراتيجي. فالقياس يعطي نسبة أو عددًا لمدى تحقق المبادرة أو النشاط، كما يعطي مؤشرًا لنسب التقدم نحو الهدف. وبالرغم من أهمية تلك المؤشرات إلا أنها قد تستخدم بطريقة خاطئة تضلل مستخدم تلك المؤشرات، بل وتضلل قارئها. وقد ذكرت (ستاسي بار) إحدى المختصين في التخطيط الاستراتيجي، بأن مؤشرات الأداء لها إيجابية في نشر ثقافة قياس الأداء، ولكنها إن أُسيء استخدامها تؤدي إلى عواقب وخيمة.

وقبل أن نسطر بعض الأسس العلمية، نذكر أمثلة لنفهم بعض الأخطاء في استخدام مؤشرات الأداء...

نسمع الكثير من التصريحات بأن المؤسسة قد اجتمعت -مثلاً- 20 اجتماعًا في السنة كأحد إنجازات تلك المؤسسة.. ولا أرى أي معنى لربط الإنجاز بعدد الاجتماعات، فالأثر الحقيقي هو ما تمخضت عنه تلك الاجتماعات، وليس عددها. ونقرأ تصريحات لأحد الإنجازات بأننا قد استقبلنا 200 حالة خلال السنة، ولكن لا أرى معنى الإنجاز إذا لم أعرف نسبة الراضين عن جودة الاستقبال. أو أنك تسمع تصريحًا من مركز الاتصالات بإحدى المؤسسات أنها -بكل فخر واعتزاز- استقبلت 1000 مكالمة، مع أن كثرة المكالمات المستقبلة: قد تعني زيادة عدد المشتكين، كما أننا لا نعرف مدى رضاهم عن ردود المكالمات.

كما قرأنا عن عدد الطرق التي تم إصلاحها في 2019, ولكن من دون أن نعرف عدد الطرق التي لم يتم إصلاحها لنعرف هل كان ذلك إنجازًا أم تقصيرًا. لا أعني في كلامي أن أرى الجزء الفارغ من الكأس بدل أن أرى الجزء الممتلئ منه، ولكن النسب الرنانة تضلل صاحبها قبل أن تضلل الآخرين، فتعطيه نشوة الفرح بالإنجاز على أساس أنه كافٍ، ولكنه غير ذلك. 

تعتبر مؤشرات الأداء أداة للقياس للوصول إلى هدف معين كما أنها أداة للتسويق، كما يقول (برنارد مار) في كتابه «متى تؤدي مؤشرات الأداء إلى سلوك سيء»، ويستمر قائلاً: إنه متى تغلب الفكر التسويقي لمؤشرات الأداء: أدى إلى نتيجة عكسية على الأداء. ويضيف (كريستوف روسر) أن السبب هو أن بعض المؤسسات تضع مؤشرات لقياس ما يرضيها بدل أن تضع مؤشرات حقيقية بما يجب تحقيقه. أي أن الكثير من المؤسسات تعلن عدد ما أنجزت بدل أن تعلن قدر ما أثرت. فمثلاً تقوم المؤسسة بوضع مدة أطول للانتهاء من المعاملة لتضمن أن تحقق المؤشر بنسبة 100%، حتى لو ترتب على ذلك تأخير العملاء شهورًا عديدة. ولك أن تفسر سبب الصعود والنزول لمؤسساتنا في التصنيفات الدولية، فكأن مؤشراتنا في مد وجزر! وكم لنا من أمثلة في مؤسسة تعلن عن عدد القضايا التي تم حلها، ولا تذكر عدد المتضررين من تلك القضايا. أو أننا نسمع عن عدد المتعافين من مرض معين ولا نسمع عن حجم ازدياد ذلك المرض. كما لا نفهم إعلان أحد المستشفيات توفير عدد أكبر من الأسرة، ولا يعلن عن مدى تغطيته لحاجات المجتمع. 

تقول (ستاسي بار): إن مؤشرات الأداء تضعف النظر إلى الصورة الكلية، حيث تجعل التركيز على الجزئيات دون النظر إلى الصورة الكلية. فكلنا نعلم أن زيادة الأجور، وتقليل نسب الاقتراض، وتوفير بيوت الإسكان: توفر الحياة الرغيدة للمواطن. ولكن الانطباع يكون خاطئًا إذا لم ننظر إلى الصورة الكلية، فهل زادت نسبة الرفاهية؟ وهل زادت نسبة الراضين عن حياتهم الشخصية؟ وهل قلت نسبة الفقر؟ وهل أعداد الذين يعيشون في بيوت مستأجرة في ازدياد أم تراجع؟ فالصورة الكلية تكتمل بجمع المؤشرات معًا، لأننا نعلم أن هناك مؤشرات في المقابل تشير إلى زيادة الرسوم الدراسية والمعاملات والكهرباء والماء والمشتريات. فالمؤشرات الجزئية لا تعطي إلا أجزاء من الحقيقة، والحقيقة الكاملة: في وجود المؤشرات الصحيحة والربط بين الجزئيات للحصول على الصورة الكلية. 

قد يكون استخدام المؤشرات في حياتنا خاطئًا مما ينعكس على أسلوبنا في العمل. فقد تلاحظ أننا أحيانًا نمارس ذلك في بيوتنا عندما نذكر حجم تعبنا في تعليم أبنائنا لنرضي أنفسنا بنجاحنا في ذلك، ولكن النجاح الحقيقي: أن يتعلم أبناؤنا حقًا. أو أننا نفسر كثرة المرتادين إلى المجمعات التجارية: برفاهية المجتمع، حتى لو كان من يرتاده يتسوق ليمتع ناظريه بجمال لا تستطيع يده أن تناله! أو أننا نفسر زيادة دور العجزة -بأسمائها المختلفة- بزيادة الاهتمام المقدر لهذه الفئة، مع أنه قد يعني عكس ذلك تمامًا. أو عندما نقرأ عن عدد الحالات أو القضايا الأسرية التي عولجت، فقد نفرح ونستبشر في مساهمتنا في تقليل المشاكل الأسرية، مع أن زيادة عدد المرتادين هو مؤشر لزيادة المشاكل الأسرية في المجتمع. 

إن النظرة الكلية والمتخصصة من ذوي الاختصاص تساعدنا في التخطيط وليس التسويق. 

يشير مجموعة من الباحثين في بحثهم المنشور في ساينس دايركت sciencedirect.com إلى وجود رتب لمؤشرات الأداء تقسم على مستويات عدة. كما أن من المؤشرات ما هو مؤثر على قرارات مستقبلية، ومنها ما يحكي عن إنجازات أو معلومات سابقة. وأكد الباحثون بأن المؤشرات --بأنواعها وتصنيفاتها- تنفع بفهمك لاستخدامها، وتضر إن استخدمت في غير موضعها. كما أشار الباحثون إلى أن كثرة المؤشرات الدقيقة تجعل صاحبها يركز على الجزئيات دون النظرة الشمولية كما أسلفنا القول. 

ولنأخذ مثالاً مبسطًا في بيوتنا.. عدد ساعات الدراسة الذاتية التي يسخرها أبناؤنا للدراسة: مؤشر (سابق) للنجاح، أما النتيجة في الشهادة مؤشر (لاحق) للنجاح الفعلي في المقررات الدراسية. إذا أضفنا للهدف أن يكون أولادنا ناجحين في الحياة العملية، فسنضيف مؤشرات حياتية لها علاقة بالمهارات والعلاقات والتجارب المتنوعة، الخ. والتركيز على أحد تلك الجزئيات من المؤشرات يعطي انطباعًا للوالدين أن ابنهم أو ابنتهم ستكون ناجحة في حياتها العملية، ولكنها قد تكون ناجحة في دراستها فقط (على الورق). 

هناك بعد آخر في قياس المؤشرات، فقد يلجأ بعض الموظفين إلى حيل بتكبير حجم الإنجازات عندما يستخدم كلمة «مجموع»، فيشير إلى مجموع عدد ساعات العمل الخيري، أو مجموع عدد ساعات السلامة، أو مجموع عدد الأبحاث للمؤسسة، الخ. فمثلاً، سماعك أن المؤسسة قد نشرت في تلك السنة مائة (100) بحث: يوحي بإنجاز. ولكنك قد تنزعج عندما تعرف أن نسبة الانتاج لكل باحث هو أقل من نصف بحث! وذلك لوجود أكثر من 200 أكاديمي في المؤسسة، أي أن نصف عدد الباحثين لا ينتجون أبحاثًا. أو أن قد تسمع بمجموع عدد الأنشطة الطلابية، ولكن لا تدري فربما قد حضرها 10% من الطلبة فقط. أو أنك تسمع بمجموع عدد الأجهزة الذكية، ولكنها غير مستخدمة. أو أنك قد تسمع عن عدد الكتب في المكتبة، ولكن لا تعلم عن عدد قارئيها أو مرتادي تلك المكتبات. قد تظن في لحظة أن المدرسة التي تملك مكتبة فارهة لديها عدد أكبر من المثقفين، ولكن عدد المكتبات لا يعطي أية معلومة عن عدد الذين يرتادون المكتبة، ناهيك عن عدد القارئين. 

هناك مؤشرات عالمية في جميع التخصصات يمكننا استخدامها للمقارنة بالدول الأخرى، ولكثرة التصنيفات أو المؤشرات العالمية سنكتفي بذكر التقارير الدولية الخاصة بالتعليم، والتي يمكن الاستعانة بها للمقارنة الدولية. منتدى الاقتصاد العالميWorld Economic Forum ينشر تقريرًا سنويًا يعرف بتقرير التتنافسية العالمية Global Competitiveness Report في كثير من المجالات الاقتصادية والصناعية والعلمية وغيرها. أما ما يخص التعليم، يحتوي تقرير التنافسية العالمية على مؤشرات مثل جودة التعليم الابتدائي (4.09)، جودة النظام التعليمي (5.03)، جودة إدارة المدارس (5.05)، القدرة على الابتكار (12.01)، جودة مؤسسات البحث العلمي (12.02)، صرف الشركات على البحث العلمي (12.02)، علاقة الجامعات مع الصناعة (12.03)، توفر العلماء والمهندسين (12.04)، براءات الاختراع (12.05). ومع أهمية تلك المؤشرات، إلا أنها يجب أن تستخدم لغرض التطوير، لا لغرض التخدير. ولا نكتفي بالمؤشرات العالمية، بل يجب أن نسير على مؤشرات وطنية، لأنه ليست كل الاتجاهات الدولية هي ذات أولوية للاحتياجات الوطنية. 

تلعب مؤشرات الأداء دورًا مهمًا في قياس أداء المؤسسة، وقياس مدى تحقيقها للأهداف التنفيذية والاستراتيجية، وهي أحد العناصر الرئيسية في التخطيط الاستراتيجي والعمل التنفيذي. ولكن للمؤشرات إيجابيات وسلبيات، وعدم إدراك السلبيات قد يوقع المؤسسة في حفرة «الإنجاز» لسنين طويلة من دون إنجاز حقيقي أو أثر يذكر. فكثرة الشي لا تعني جودته وزيادته، والحراك المستمر لا يعني تقدمًا. والمؤشرات تستخدم بجميع مستوياتها الوطنية والعالمية والتنفيذية والاستراتيجية. كما أن النظرة الجزئية للمؤشر قد لا تعطي مؤشرًا صحيحًا للنظرة الكلية. وأخيرًا: مؤشرات الأداء -في الأساس- قياسٌ للأداء والتطوير، لا للتزيين والتسويق. 

‭{‬ الخبير الدولي في جودة التعليم العالي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news