العدد : ١٥٥٦١ - الجمعة ٣٠ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٣ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٦١ - الجمعة ٣٠ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٣ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

الطعام أداة هلاك

يوم السبت الموافق 12 من سبتمبر الجاري توفيت شقيقتان صغيرتا السن ولزم جميع أفراد عائلتيهما المستشفى إثر تناول وجبة «خفيفة» من مطعم في مدينة أم درمان السودانية، وداهمت الشرطة المطعم وكشفت التحريات أنه -أي المطعم- يتخصص في انتاج كوكتيل من البكتيريا والسميات القاتلة، وذكرتني هذه الواقعة المؤلمة بالضجة التي أثارتها الصحف المصرية بعد افتتاح مطعم يحمل اسم «ودِّع أهلك»، يتخصص في بيع فتة الكوارع، ولحم الرأس والممبار (نوع من السجك/النقانق في سُمك أنبوب نفط ومحشو بقليل من اللحم والكثير من الشحم أو فتافيت الخبز).

فات على الصحف المصرية الإشادة بأمانة وشجاعة صاحب ذلك المطعم، ففي علب التبغ نجد تحذيرات لا يلتفت إليها المدخنون تفيد بأن السجائر ضارة بالصحة، ولو كان مكتوبا على تلك العلب أن السجائر قاتلة لاضطرت شركات السجائر إلى طلب القروض من أبو الجعافر. ما علينا: اسم المطعم «ودع أهلك» لأن من يأكل طعامه بانتظام يهلك.. وعلى مسؤوليتي فإن الكوارع ولحم الرأس والممبار ليست أكثر خطرا على الصحة من البيرغر والبيتزا. في أمريكا تدق الدوائر الصحية نواقيس الخطر لأن نصف الأطفال دون الخامسة عشرة صاروا من فصيلة الدببة، بدرجة ان ميشيل أوباما زوجة الرئيس السابق باراك أوباما قادت حملة وطنية لمنع بيع الأطعمة التي تحوي كميات كبيرة من الدهون والسكريات في المدارس.. وفي بريطانيا أنفقت الحكومة نحو مليار ونصف المليار دولار لتنفيذ مقترحات تقدم بها الطباخ المشهور جامي أوليفر لجعل الوجبات المدرسية صحية وخالية من مبيدات العافية التي صارت تباع تحت مسمى الوجبات السريعة.

أعتقد أن جيلنا في السودان أكثر حبا للوطن من الأجيال الشابة لأن الوطن قدم لنا كل شيء يفيد نمو العقل والجسم.. كانت الحكومة السودانية تقدم لكل طالب إلى جانب الوجبات اليومية كوبا من اللبن، وكانت الوجبات الحكومية تلك تتألف من الخضراوات واللحم والبروتين النباتي (الفول والعدس) والنشويات المتمثلة في الخبز والأرز.. وطلاب اليوم في السودان عليهم توفير الوجبات بالعون الذاتي، والوجبات المتوافرة لا تتوافر فيها أبسط مقومات الصحة العامة. ولكن المصيبة هي انه حتى في دول الخليج الغنية فإن كافيتريات المدارس تبيع نفس السموم التي تحمل اسماء افرنجية ذات طنين ورنين، إلى جانب وجبات هندية تفتك بالجهاز الهضمي والعصبي وتسبب سيلانا دائما في الأنف والأذن والحنجرة. والكارثة الكبرى هي أن البدانة بين الأطفال في منطقة الخليج صارت وبائية، وفي الدول العربية الفقيرة يُعتبر تناول الوجبات السريعة ذات المنشأ الغربي نوعا من الوجاهة، ومن يريد تدليل وتدليع عياله في تلك الدول يقول لهم: النهار ده نتغدى بيرغر بمناسبة نجاحكم في الامتحانات.

لا أذكر من هو الكاتب الأمريكي الذي قال: كل الأشياء المحببة إلى معدتي إما حرام وإما ضارة بالصحة! وأضيف من عندي: وكل ما هو حرام في الطعام والشراب ضار بالصحة، ولكن بني آدم عموما يأكلون ويشربون ما يضرهم وهم عالمون بأضراره طالما الضرر يأتي على المدى الطويل. لحين من الدهر قدمت مطاعم ماكدونالدز وجبات صحية نسبة الخضراوات فيها عالية ولكنها لم تجد قبولا لدى زبائنها فعادت تقدم وجباتها التقليدية (هناك مطعم أمريكي يحمل اسم هارت أتاك أي نوبة قلبية).

شخصيا أعتقد أن السندويتش هو أسوأ اختراع لأنه علمنا الكسل والكلفتة في الأكل بل وأفقدنا متعة الاستطعام الجماعي. ففي بيت يتألف من 8 أشخاص مثلا لا يمكن أن يكون عدد الجلوس على المائدة مكتملا أبدا في أي يوم لأن نحو 3 منهم يتعللون بـ«عندي سندويتش عدس وبطيخ»، ولا يوجد على وجه الأرض سندويتش يقوم مقام الوجبة التي تقدم على المائدة.. ويسألني الكثيرون: ما سر جاذبيتك التي جعلت أنجلينا جولي تقرر طلاق براد بيت؟ وجوابي: أنا وهي لا نأكل البيرغر وأخواته في الرضاع.

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news