العدد : ١٥٥٥٦ - الأحد ٢٥ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٨ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٥٦ - الأحد ٢٥ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٨ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

قضايا و آراء

فيضانات السودان: نحو استراتيجية متـكاملة لإدارة الـكـوارث

بقلم: د. أشرف محمد كشك {

الاثنين ٢١ ٢٠٢٠ - 02:00

أشرت في مقالات عديدة سابقة إلى قضايا تتصل بالأزمات والكوارث وهي القضية التي أوليتها اهتماما بالغا سواء من خلال مشاركتي في كلية الدفاع بحلف الناتو بروما كموجه أكاديمي حول تلك القضية أو من خلال تدريس هذا الموضوع في عدد من المؤسسات الأكاديمية الأمنية، ومن بين القضايا التي أشرت إليها أن الكارثة ليس لها مقدمات على عكس الأزمة التي دائمًا ما تكون هناك مؤشرات تشي باقتراب وقوعها، وما قصدته من تلك التفرقة هو أن كافة الدول وخاصة تلك التي يحتمل أن تواجه كوارث طبيعية مثل الفيضانات والسيول والزلازل يتعين أن تكون لديها إجراءات احترازية للتعامل مع تداعيات مثل تلك الكوارث ومنها الفيضانات والسيول التي شهدها السودان الشقيق مطلع شهر سبتمبر الجاري بسبب ارتفاع منسوب نهر النيل، والتي راح ضحيتها 114 شخصا، فضلاً عن تأثر 83516 ألف منزل سواء بشكل جزئي أو كلي، بالإضافة إلى تضرر أكثر من نصف مليون شخص واستمرار الآخرين في مرمى الخطر جراء احتمال ارتفاع منسوب نهر النيل مجددًا وهطول الأمطار والتي اعتبرت هي الأزمة الأسوأ في السودان وفاقت آثارها أزمتي 1964 و1988 والتي تهدد بالإضافة إلى أسس الحياة المعيشية المناطق الأثرية المهمة في السودان. 

 وضمن متابعتي لتلك الكارثة كانت هناك مشاهد ثلاثة. الأول: داخل السودان وتمثل في إعلان الحكومة السودانية حالة الطوارئ لمدة ثلاثة أشهر واعتبارها منطقة كوارث طبيعية وتشكيل مجلس الأمن والدفاع اللجنة العليا لمعالجة آثار تلك الكارثة، بالإضافة إلى مشاهد العمل الشعبي اللافتة وإصرار الأهالي على البقاء في مناطق الكارثة ومحاولة إصلاح ما تم تدميره والحفاظ على ما تبقى منها، والثاني: المشهد العربي على مستوى الدول والذي شهد مساعدات عربية عاجلة لشعب السودان الشقيق من دول عربية عديدة ومن بينها مملكة البحرين والتي سارعت بتقديم كل ما يلزم للتخفيف من آثار تلك الكارثة سواء مواد غذائية أو طبية، وفي موقف تضامني مع أشقائها أعلنت الجالية السودانية بمملكة البحرين عن تشكيل لجنة عليا لدعم المتضررين جراء الفيضانات والتي تجتمع بشكل أسبوعي وتعمل من خلال محاور ثلاثة وهي المحور الإعلامي وجمع التبرعات وتقدير الاحتياجات، والثالث: على مستوى جامعة الدول العربية من خلال إعلان السيد أحمد أبو الغيط الأمين العام للجامعة تقديم دعم مالي عاجل للحكومة السودانية من صندوق دعم الشؤون الإنسانية بالجامعة، بالإضافة إلى التوجيه بسرعة عقد الآلية المشتركة بين الجامعة والجهات ذات الصلة بالشؤون الإنسانية من أجل وضع خطة عاجلة لدعم السودان على الصعيدين الإغاثي والتنموي، بالإضافة إلى العديد من المساعدات الدولية. 

 ومع أهمية تلك الجهود التي بلا شك سوف تسهم في الحد من آثار تلك الكارثة غير المسبوقة فإن جل هذا المقال هو الحديث عن استراتيجيات إدارة الكوارث، وكذلك الآليات المؤسسية سواء داخل الدول أو على مستوى التنظيمات الإقليمية، فعلى مستوى الدول نجد أن كافة الجهود التي تتخذها العديد من الدول إبان الكوارث تعد ضمن ما يطلق عليه «درء المخاطر» إلا أنه يجب أن تكون هناك مؤسسات معنية بإدارة الكوارث، وهو الأمر الذي انتبهت له العديد من الدول بتأسيس لجان لإدارة الأزمات والكوارث تجتمع فور وقوع أزمة أو كارثة وهي بمثابة إطار مؤسسي يربط بين كافة أجهزة الدولة ويكون عمله محكومًا بمعادلة بسيطة وهي من يفعل ماذا وكيف؟ وهنا يحضرني مثال مهم للغاية وهو الخطر الثلاثي الذي واجهته اليابان في عام 2011 «الزلازل والتسونامي والتسرب النووي» والذي قدم فيه المجتمع المدني في اليابان أروع صور العطاء ومنها تحويل الملاعب والمراكز الرياضية والنوادي الاجتماعية إلى فصول دراسية، ويعني ذلك أن الكارثة لا يمكن مواجهتها بالجهود الحكومية فحسب إلا أن دور المجتمع المدني يجب أن يكون ضمن خطة شاملة وواضحة، وعلى المستوى الإقليمي مع أهمية إدارة الرصد ومتابعة الأزمات التابعة لجامعة الدول العربية، فإنه يتعين أن تكون هناك آلية للتعامل مع الكوارث وربما يكون الاتحاد الإفريقي مدعوًا للاضطلاع بهذا الأمر بدرجة أكبر حيث لوحظ أن التنظيمات الإقليمية كافة ومنها حلف الناتو بها آليات للتعامل مع الأزمات والكوارث، والتي أضحت تحديًا هائلاً للدول كافة، فالكارثة لن تفرق بين دولة وأخرى وهو ما أشرت إليه في مقالات سابقة ومنها الكوارث البيئية أو حوادث التسرب الإشعاعي، فضلاً عن الكوارث الطبيعية على غرار حالة الفيضانات في السودان بما يعنيه ذلك من أن دور المنظمات الإقليمية يجب أن يتجاوز مسألة تقديم مساعدات عاجلة إلى المساهمة في إدارة الكوارث من خلال آلية لها صفة الديمومة وخاصة تجاه الدول الأكثر تعرضًا لمثل تلك الكوارث، بل وعلى مستوى الأفراد ذاتهم أتصور يجب ترسيخ مفاهيم إدارة الكوارث وكيفية التعامل معها من خلال التوعية الإعلامية، فضلاً عن دور المؤسسات التعليمية.

وعود على بدء لا يمكن لأي دولة مهما بلغت إمكاناتها أن تحول دون وقوع الكارثة ولكن العديد من دول العالم ومنظماته الإقليمية أولت تلك القضية أهمية بالغة للحد من آثارها وإدارتها بطرق مبتكرة وحديثة ومنها إجراء تمرينات افتراضية حول نماذج لتلك الكوارث وتكمن أهميتها ليس لكونها تحدد الأدوار والموارد فحسب بيد أنها تكشف عن الثغرات التي يمكن أن تواجه صانع القرار إبان إدارة الكوارث وبالتالي الاستعداد للتعامل معها للحد من آثارها المدمرة ولم يكن مستغربًا أن تولي العديد من الدول تلك القضية أهمية وإدراجها ضمن المقررات الدراسية لمؤسساتها الأكاديمية وخاصة التي تقدم العلوم الأمنية والاستراتيجية.

لقد قرعت أزمة فيضانات السودان ناقوس الخطر مجددًا حول الحاجة الى استراتيجية عربية أو إفريقية للتعامل مع الكوارث في ظل تنوع وتعدد تلك الكوارث التي تتطلب إجراءات احترازية متكاملة وشاملة من خلال إطار مؤسسي بلا أدنى شك سوف يحد من آثارها التدميرية التي برأيي تتجاوز البعد الاقتصادي لتطال البعدين الإنساني والاجتماعي وهو ما عكسته مشاهد إصرار العديد من العوائل في السودان الشقيق على البقاء في الأماكن المتضررة والعمل على إصلاح ما تم تدميره بعزيمة وروح تضامنية لافتة.

ربما يكون السودان بحاجة الى خطة شاملة وخاصة الاهتمام بالبنية التحتية ذات الصلة بالأنهار وروافدها إلا أنه في الوقت ذاته يتعين وجود خطط استراتيجية لدى المنظمات الإقليمية المعنية للتعامل مع كوارث من هذا النوع بتفعيل الأجهزة المعنية أو استحداث أجهزة جديدة وتحديثها بأحدث أساليب التعامل مع الكوارث ومنها أجهزة الإنذار المبكر وتتكامل تلك الجهود مع جهود الحكومات المحلية ليتحقق الهدف الاستراتيجي وهو إيلاء الاهتمام الكافي بالإجراءات الاحترازية لمواجهة الكوارث. 

‭{‬ مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية بمركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة «دراسات»

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news