العدد : ١٥٥٦١ - الجمعة ٣٠ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٣ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٦١ - الجمعة ٣٠ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٣ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

الرياضيات وخلل العقل

بسبب عقدتي من ومع علم الرياضيات فقد كنت طوال مسيرتي الأكاديمية اعتبر من يحبون تلك المادة أشخاصا غير أسوياء و«غير طبيعيين»، كيف يحب شخص بالغ وعاقل وراشد أشياء مثل سين تربيع على ص أس خمسة تساوي صفر.. ونظرية فيثاغورس وباي وجيب الظل وجيب التمام (كان هناك زميل دراسة في المرحلة المتوسطة يبرر ضعف استيعابه لدروس اللغة الإنجليزية بأنها لغة شياطين وقال إنه يقرأ آية الكرسي قبل كل حصة لتدريس تلك اللغة لتحصين نفسه منها، وكان يعتبر كل من يتفوق في الإنجليزية شخصا مسكونا ينبغي اجتنابه، وذات درس قرأ المدرس حكاية بالإنجليزية وفي نقطة معينة ضحك عدد منا، فصاح صاحبنا: أعوذ بالله!! هل في شيء بالإنجليزي ممكن يكون مضحك؟).

قبل حين قصير من الزمان، شهدت الأوساط العلمية زلزالا حميدا وامتلأت الصحف ومواقع الإنترنت وقنوات التلفزيون بأخبار عالم الرياضيات الروسي غريغوري بيريلمان الذي حل مسألة رياضية ظلت تحير العلماء على مدى أربعة قرون، وفور التأكد من صحة الحل قدم له معهد كلاي الأمريكي مليون دولار جائزة (كانت مرصودة على مدى سنوات طوال لمن يحل تلك المسألة). قرأت عن تلك المسألة ولكنني لم أفهم منها وعنها شيئا ولا أريد أن أعرف عنها شيئا. عندي ملاحظة: ظلت الكرة الأرضية تدور حول الشمس وظل الناس يمرضون ويتعالجون واخترعوا الإنترنت وجهاز البلاك بيري والآيفون ثم أخيرا طرحت شركة أبل جهاز آيباد iPad الذي قيل انه سيقضي على الكمبيوتر بشكله الحالي وظهرت انفلونزا الخنازير والطيور ثم فيروس الكورونا وحكم رجل اسود يحمل اسما إسلاميا -باراك حسين أوباما- وانتشرت محلات البيرغر في كل أنحاء العالم وظهرت الفياغرا ثم ظهر البوتوكس الذي يزيل التجاعيد عن الوجه ويجعل الوجه مثل قالب البلاط السيراميك لا تظهر عليه علامات الحزن أو السعادة.. حدث كل هذا والمسألة الرياضية تلك بلا حل وقطعت البشرية في العشرين سنة الأخيرة أشواطا أكثر من تلك التي قطعتها خلال الألف سنة الماضية وتم كل ذلك دون الحاجة إلى تلك المسألة محلولة كانت أم مربوطة، فلماذا كل هذه الضجة حولها؟

اتصل معهد كلاي بغريغوري وابلغوه بالجائزة وحددوا له تاريخ الاحتفال لاستلامها، وجاء الموعد وانتهى ولم يظهر أبو الغراغير فاتصلوا به ثانية: خير يا رجل.. نعطيك مهلة فقط حدد لنا ستأتي لاستلام الجائزة.. أجابهم غريغوري: بلا جائزة بلا بطيخ.. مش عايز مليون ولا ملاليم.. اتركوني في حالي.. غريغوري يعيش في قرية صغيرة نائية في روسيا في شقة من غرفة واحدة بها كرسي واحد وسرير واحد ونحو عشرين ألف صرصار بحسب إفادة جارته التي قالت انه لا يرحب بزيارة البشر له ولكن بيته مفتوح للصراصير والفئران.

جالكم كلامي؟ عليك نور.. أي واحد شاطر ومتفوق في الرياضيات فعلا شخص غير طبيعي وغير سوي وقواه العقلية مختلة.. في بلداننا يتم الإعلان عن جوائز سنوية في كل المجالات ونقرأ عن شخص فاز بمئات الآلاف ببحث قدمه عن غزو المريخ بمحركات تعمل بزيت الفسيخ.. وآخر عن دراسة تاريخية معمقة عنوانها «الفلس أم الهلس تسبب في ضياع الاندلس؟».. ويتم تسليم الجوائز في حفلات متلفزة، ولا ننسى خلال التغطيات الإعلامية لتلك المناسبات تذكير أنفسنا بأن أجدادنا اخترعوا الصفر.. الله يسامحهم.. يعني لو اجتهدوا أكثر واخترعوا التريليون أو حتى المليون لما طلع علينا جورج قرداحي في القرن الحادي والعشرين مزهوا بأنه أعاد اختراع المليون.

رجاء لو قرأ كلامي هذا عربي يقيم في روسيا يكلم ذلك المعتوه غريغوري كي يعطيني توكيلا لأتسلم المليون دولار نيابة عنه لأحس بأنني على الأقل أساوي نصف ناقة في «سوق البهائم».. في حقيقة الأمر أقل من ثلث ناقة لأن آخر ناقة تعمل بالطاقة النووية بيعت بأكثر من 3 ملايين دولار.

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news