العدد : ١٥٥٥١ - الثلاثاء ٢٠ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٥١ - الثلاثاء ٢٠ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

قضايا و آراء

الهجرة.. والانتصار على النفس!

بقلم: عبدالرحمن علي البنفلاح

الأحد ٢٠ ٢٠٢٠ - 02:00

الهجرة فعل إيجابي حين ينتصر الإنسان على نفسه وأشواقها إلى المكان على حساب القيم العليا، والغايات النبيلة.. صحيح أن الوطن غالٍ، وأن حب الأوطان من الإيمان كما قال أمير الشعراء أحمد شوقي، وهو يترجم حنينه إلى وطنه في قوله: 

وطني لو شغلت بالخلد عنه

نازعتني إليه في الخلد نفسي

وقبل شوقي وقف رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يودع وطنه مكة بعيون دامعة، وقلب يتفطر حزناً على مفارقتها، وقال: إنك من أحب البلاد إلى الله تعالى، وأحبها إلي ولولا أن أهلك أخرجوني ما خرجت!!

وظل حنينه صلى الله عليه وسلم إلى مكة متقدا، فكلما ذكر مكة الذاكرون، أو ترنم بها الشعراء استيقظ في قلبه الحنين إليها، لكن الدعوة إلى الله تعالى، وإبلاغ دعوة الله تعالى إلى الناس، كان كل ذلك يفوق حنينه إلى الوطن، ولقد سأل الله تعالى أن يحبب إليه المدينة كما حبب إليه مكة، فاستجاب الله تعالى لدعائه، فصارت المدينة من أحب البلاد إليه بعد مكة.

في المدينة أينعت ثمار الدعوة الإسلامية، وبدأت معالم دولة الإسلام تتشكل، وبدأ المجتمع الإسلامي تتوثق عرى المحبة بين أبنائه، وبدأ صلى الله عليه وسلم عمله المبارك بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وفتحت القلوب قبل البيوت للمهاجرين الذين تركوا وطنهم وما يملكون، وجاءوا إلى أرض مباركة اختارها الله تعالى لرسوله (صلى الله عليه وسلم)، ولدعوته المباركة، حيث بدأت بذور الدعوة الجديدة تنمو لتؤتي أكلها كل حين بإذن ربها سبحانه وتعالى.

المدينة التي كانت تسمى «يثرب» قبل هجرة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إليها، ثم بعد ذلك صار اسمها «المدينة المنورة» بعد أن أضاءها الرسول الأعظم (صلى الله عليه وسلم) بأنوار دعوته، وأنواره عليه الصلاة والسلام.

أرض المدينة خصبة، حيث تسامت فيها أشجار الدعوة الوليدة، والتفت أغصان الدعوة في دوحة عظيمة، واستظل الناس بظلها، وجنوا من ثمرات أمنها وأمانها حتى من آثر منهم البقاء على دينه، ولم يلزمهم الإسلام بتغيير عقائدهم، بل عاشوا مع المسلمين في ظل شعار الدولة الجديدة «لا إكراه في الدين»، فصار من مكونات مجتمع المدينة المؤمن وغير المؤمن، وطائفة من أناس لا يدينون برسالات سماوية، وهؤلاء استن الرسول (صلى الله عليه وسلم) فيهم سنة أهل الكتاب، وأخذ الرسول (صلى الله عليه وسلم) منهم العهد على ألا ينصروا غازيا يغزو أمة الإسلام، ولهم كامل الحرية في ممارسة طقوسهم الدينية، ولهم أماكن العبادة الخاصة بهم، وأن يحميهم المسلمون مما يحمون منه أهليهم وأولادهم، ولهم جميع الحقوق التي يتمتع بها أهل المدينة، ولهم أن يتحاكموا فيما يشجر بينهم إلى شرائعهم إلا إذا اختاروا بمحض إرادتهم التحاكم إلى شرائع الإسلام فيما لا تشريع عندهم في كتبهم.

إذاً، فالهجرة ليست هجرة أبدان وقوالب ولكنها هجرة قلوب وأديان..

ضاقت على المسلمين الأرض بما رحبت فلم يجدوا الحرية في ممارسة دينهم، والالتزام بما يأمرهم به وينهاهم عنه، فاضطروا إلى الهجرة إلى أرض جديدة تسمح لهم بما لم تسمح به بلدهم التي ولدوا فيها، وتربوا في أكنافها، وتنسموا عبير هوائها، ومغادرة الأوطان التي درج عليها الإنسان ليس أمراً سهلاً ولا مستطاعاً إلا بحرج شديد، ولكن لا بد مما ليس منه بد، ولا بد من الاختيار في حالة الاضطرار بين أمرين أحلاهما مر، بل علقم!

وهذا هو الامتحان الذي تعرض له المسلمون في بداية عهدهم بالدعوة الجديدة بأنهم خيروا بين وطنهم وبين عقيدتهم، فاختاروا العقيدة على الوطن، وخاصة أن الأرض في الإسلام هي لله تعالى، وأينما ولى المسلم وجهه فثمة وجه الله تعالى، وصدق الله العظيم: «إن الذين توفتهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا» (النساء/97).

وكان هذا انتصارا عظيما على النفس وهواها، وكسرا لعنق شهواتها حتى يأتي ذلك اليوم الذي تصبح فيه مكة دار إسلام وسلام، ودار إيمان وأمان، فيعود إليها من يشاء العودة، ويظل في المدينة من يحب البقاء فيها بعد أن اعتاد صحبة أهلها، وحسن جوارهم بعد أن رأوا من حسن الضيافة والمعاملة ما حببهم في المدينة وأهلها بعد أن أثنى عليهم الله تعالى أعظم الثناء، فقال عنهم: «والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون» (الحشر/9).

إنه ثناء الحق سبحانه وتعالى على مجتمع المدينة لا نظير له، فقد بلغ الحب والمودة في مجتمع المدينة بين المهاجرين والأنصار منزلة أن الأنصاري من أهل المدينة يقول للمهاجري من أهل مكة: لدي زوجتان، فاختر إحداهما، فأطلقها، فتنتهي عدتها، فتتزوجها، ولي مال كثير اختر أحب شطريه إليك!، فيقول المهاجري: بارك الله تعالى لك في أهلك ومالك، ولكني امرؤ تاجر، فدلني على السوق!

هذا هو مجتمع المدينة المنورة الذي بناه الرسول الأعظم (صلى الله عليه وسلم)، وأقام عليه بنيان دولة الإسلام العظيمة، وصار هذا المجتمع مثلاً في الحب والإخلاص يتطلع إليه عشاق العظمة والسمو الأخلاقي.

دولة أركانها: التوحيد الخالص لله تعالى إلها معبودا، وشريعة وصفها منزل القرآن بالكمال، وعبادات تضبط سلوك المسلم في ليله ونهاره، في صحوه ومنامه، في فعله وفي قوله.. في ظل هذه الدولة العظيمة قامت حضارة عظيمة أساسها العدل والرحمة ومحاسن الأخلاق، حتى الفتوحات الإسلامية في الشرق والغرب لم تكن عدوانا، ولا استبدادا، بل كانت فتحا للقلوب لا للبلدان، وكان شعار الفاتحين قوله تعالى: «وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر..» (الكهف/29).

هكذا انطلقت الدعوة الإسلامية الوليدة تنشر أشعة أنوار فجرها الصادق على الوجود من حولها، وترسم للإنسان أعظم صور السمو والرفعة، وتضع في يديه خيارات عليه أن يختار واحدا منها، يقول تعالى: «أفمن يمشي مكباً على وجهه أهدى أمن يمشي سويًّا على صراط مستقيم» (الملك/22).. الإجابة عن هذا التساؤل ميسرة، فالاستقامة في الهيئة والطريق أهدى من أن يمشي الإنسان مكباً على وجهه!

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news