العدد : ١٥٥٥١ - الثلاثاء ٢٠ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٥١ - الثلاثاء ٢٠ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

قضايا و آراء

التـنمـية الـبـشرية.. بـين الـحـقـائق والأكاذيب (2)

بقلم: د. زكريا خنجي

الأحد ٢٠ ٢٠٢٠ - 02:00

من خلال عملنا خلال الأعوام القليلة الماضية لمسنا خلطًا كبيرًا في مفهوم التنمية البشرية، وهذا الخلط مرده إلى الاعتقاد أن التنمية البشرية تستطيع أن تحول الفأر إلى أسد، والدجاجة إلى نسر يمكنها أن تطير بل أن تهزم النسور في الطيران والانقضاض على الفريسة، وأن تحول الفقير إلى غني بمجرد اعتقاده أنه يمكنه أن يصبح غنيًا.

قال لي أحدهم ذات مرة وهو في أشد حالات الغضب إن التنمية البشرية ما هي إلا وهم، بل وهم كبير، صنعه رجالات ومدربو التنمية البشرية، فكل الذي يقوم به مدربو التنمية البشرية أنهم يستغلون بعض النقاط التي يحتاج إليها الأفراد، وللأسف فإن هؤلاء -الأفراد – لا يعرفون ماذا يفعلون أو كيف يجتهدون في اكتشاف مغزى لحياتهم وكيف يحققون أهدافهم، فيأتي هذا المدرب ببعض النصائح الجوفاء التي تقع في نفوس هؤلاء الأفراد المساكين، ولأن نفوسهم مهيأة لسماع هذه النصائح من أي شخص، يأتي مدرب التنمية البشرية ليقطف الثمرة ويزرع في نفس هذا الإنسان القوة الخارقة فيعتقد أنه يمكنه أن يفعل المستحيل، ولكنه بعد ذلك يصطدم بواقع مرير فيتحطم، ويكون عندئذ مدرب التنمية البشرية قد أخذ أتعابه وغادر.

ثم استطرد وقال: «دعني أطرح عليك سؤالا، هل أحدثت التنمية البشرية فارقا حقيقيا وملموسا في حياة أي شخص تعرفه؟»، التنمية البشرية مجرد كلمات تحفيزية يمكن أن تسمعها من الخطيب يوم الجمعة، أو أن تتبلور أمامك وأنت تشاهد فيلما، أو عندما تحضر مباراة، عندئذ سيتجسد الحماس بين جنبيك وبداخلك فتعتقد أنه يمكنك أن تفعل المستحيل، فما الفارق الذي تحدثه التنمية البشرية ولا يحدثه الفيلم أو الأغنية أو الخطيب؟ فهذه وتلك كلمات نفترض أن لها تأثيرا حقيقيا على دواخل ومراكز الإحساس لدى الإنسان، فأنت تسمعها وتستقبلها وبعد ذلك تقتنع بها، ولكن هل تستطيع أن تفعلها وتنفذها؟ هذا أمر آخر.

قلت له: صدقت، ولكن كيف لم أنظر للموضوع بهذه الطريقة وهذا الأسلوب؟

وكما يقال، بهت صاحبي، فلم يكن يتوقع أن يكون ردي بما يتوافق معه، فقد كان يظن أني سوف أدافع عن التنمية البشرية وفكرتها ومضامينها وخصائصها وما إلى ذلك، إلا أني وجدت أنه ليس الوحيد الذي يقوم بعملية خلط ما بين المفاهيم والأفكار، فقد وجدت من خلال الدورات التي أقيمها والاستشارات الشخصية والمؤسسية أن هذا الخلط منتشر بصورة كبيرة بين الناس، لذلك أين الحقيقة من هذه الأكاذيب؟

لنعود مرة أخرى إلى مفهوم التنمية البشرية، وإن كنا لا نريد أن نتحدث بصورة مسهبة عن هذا المفهوم إلا أن -كما قلنا في المقال السابق- التنمية البشرية هي تنمية الإنسان من جميع الجوانب بدءًا من الذات الإنسانية حتى الجوانب الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وكل الجوانب بهدف تحقيق الاحتياجات الإنسانية التي حددها الإسلام وكل الدراسات النفسية والاجتماعية وبالتالي الرفاهية والسعادة للإنسان أيًا كان وفي أي موقع ومستوى، فهل هناك خلاف على ذلك؟

إنما الخلط الحادث -بحسب ما نعتقد – أنه يأتي من جانبين، الأول: هو الخلط بين المفهوم الواسع للتنمية البشرية ومفهوم تطوير الذات الإنسانية، فما هو تطوير الذات؟

تشير الأدبيات إلى أنه لتعريف تطوير الذات لا بد أن نعرج على مفهوم تقدير الذات أولاً أو احترام الذات، أي مدى تقدير المرء لنفسه، حيث يتضمن درجة من التقييم الإيجابية أو السلبية للنفس، ويؤدي ارتفاع تقدير الذات إلى الثقة في القدرات الذاتية، وعدم القلق فيما يعتقده الآخرون تجاهها، بينما يؤدي التقدير المتدني للذات إلى العكس تمامًا، لذلك تجد تلك الأدبيات أنه يتعين على كل شخص أن يفهم ذاته ويقدرها ويحاول معرفتها لتطوير نفسه، بهدف العيش بسلام مع نفسه في المقام الأول والعيش في المجتمع بسلام وطمأنينة.

وبناء على هذا الأساس فإن المراجع قامت بتعريف تطوير الذات على أنه مجهود الشخص وسعيه ليكون أفضل ممّا هو عليه؛ عن طريق تحسين قدراته وإمكانياته ومؤهلاته، ويكون ذلك بمعرفة نقاط القوة في شخصيته وتطويرها، ويشمل هذا التطوير القدرات العقليّة، ومهارات التواصل مع الآخرين، وتحسين القدرة على السيطرة على النفس والمشاعر وردود الأفعال، وإكسابها مهاراتٍ عديدةً وسلوكًا إيجابيًّا.

وكذلك يمكن القول إنّ تقدير الذات واحترامها يعبّران عن شعور الفرد بقيمته وقدراته التي تُعدّ أساسيّةً لهويته، ومن الممكن كذلك أن يتم التعبير عن مفهوم تطوير الذات بمصطلح آخر وهو المساعدة الذاتية، وهو عبارة عن تحسين موجه ذاتيًا مع أساس نفسي متطور جدًا. 

وتجد الدراسات أن العلاقات الأسريّة تُعد الباني الأكبر لتقدير الفرد لذاته؛ خاصّةً أثناء مرحلة الطفولة التي تلعب دورًا كبيرًا في تطويرها؛ حيث يمكن للوالدين تعزيز احترام أبنائهم لذواتهم، ويكون ذلك بتعبيرهم المتواصل عن حبّهم لهم، وعن طريق إظهار المودة والاحترام، ومساعدة أبنائهم على وضع أهداف واقعيّة يسيرون على نهج تحقيقها بدلاً من فرض معايير غير واقعيّة عليهم وطلب تحقيقها، وفي المقابل فإن قلة احترام الفرد وتقديره لذاته يمكن أن يصل به إلى ضعف شخصيته، الأمر الذي يقوده إلى اتباع وسائل متطرفة لإثبات نفسه، والجدير بالذكر أن ضعف احترام الذات وتقديرها يقود إلى عدم قدرة الشخص على تنمية مواهبه، والاستفادة من نقاط القوة لديه.

إلا أن هذا المفهوم لتطوير الذات لا يعني أبدًا أن يعتقد الإنسان أنه عندما يطور ذاته أو عندما يريد أن يصبح مليونيرًا فإنه سيتحول فجأة من رجل فقير إلى مليونير، بمجرد الرغبة في ذلك أو بضربة العصا السحرية أو بخروج المارد من مصباح علاء الدين، وربما هنا نأتي إلى النقطة الثانية في موضوع الخلط والأكاذيب التي نعتقد أنها تكتنف بالتنمية البشرية، وهو ما الأعمال وما المجهود الذي نقوم به حتى نستطيع أن نحقق ذواتنا؟ فالعملية ليست من السهولة بمكان أن نحقق ذواتنا، فتحقيق الذات وتطويرها لا يتم ونحن جلوس في غرف مكيفة أو تحت ظلال شجرة ونحلم أنه يمكن أن نجني مليوننا الأول، وليس بمجرد أن نؤمن بأن التفاؤل يحفزنا على النجاح فننجح، ولا أن التحفيز والثناء يمكن أن يقودنا إلى الأفضل فنصبح أفضل، فالأماني والرغبة في النجاح والثقة بالنفس لا تصنع المعجزات، ولا يمكن لأي من البشر أن يعتقد أنه يمكن ذلك أو أن يؤمن بذلك، وإلا لما واجه رسول الله صلى الله عليه وسلم كل تلك المعضلات والأزمات والحروب والأكاذيب، فإنه كان من الممكن أن ينتصر على الأعداء بلمح البصر، بمجرد أن يقول الله سبحانه وتعالى (كن فيكون)، إلا أنه صلى الله عليه وسلم اجتهد وفكر وخطط وقام بالتنفيذ هو وفريق العمل، فالأماني لا تصنع المعجزات، ولا تحقق النتائج، وهذا هو الخلط الذي يعاني منه الكثير من الناس.

وحتى نكون أكثر وضوحًا فإنه لا يمكن أن نقول لشخص «يمكنك أن تحقق أي شيء تريده، كل شيء ممكن إذا اعتقدت أنك تستطيع تحقيقه، نعم، يمكن»، وفعلاً سيتحقق كل شيء، ولا يمكن أن نقول للشخص السمين إنه يمكنك أن تنحف إن أردت، أو يمكن أن نقول للمدخن إنه يمكنك أن تمتنع عن التدخين بمجرد أن تكون لديك النية لذلك، فهذه الكلمات التحفيزية يمكن أن تكون وهمًا وذلك كأننا نقول للدجاجة إنها يمكنها أن تطير مع النسور في الآفاق بمجرد أن تتخيل نفسها كذلك، نعم نحن نؤمن بشدة بأن مثل هذه الكلمات أكاذيب وخرافات وأوهام ولا يمكن أن تتحقق أو أن تطور الذات، بل على العكس فإنه يمكن أن تكون لها نتائج سلبية ويمكنها أن تدمر الشخص إن لم يتمكن من تحقيق النجاح وأن يقوم بتطوير ذاته.

إذن ماذا يمكننا أن نفعل؟ هل تحقيق وتطوير الذات خرافات ولا يمكن للمرء أن يطور ذاته ويحقق رغباته؟ 

الإجابة واضحة على هذا التساؤل، وهي؛ «نعم» يمكننا أن نحقق ذواتنا وأن نطورها ولكن بالعمل بل وبالكثير من العمل والاجتهاد فمن غير ذلك فإن أي كلام هراء وخرافات. 

أساليب تطوير الذات

هذه بعض الأمور التي يمكن أن تساعد الفرد على تطوير ذاته والتحسين من نفسه، ومنها: 

قراءة كتاب يوميًا: عند قراءة كتاب كل يوم سيتغذى العقل بالعلم والمعرفة، حيث إن القراءة تجعل الشخص أكثر حكمة ودراية. 

تَعلُّم لغة جديدة: من المفضّل أن يتعلم الشخص لغات جديدة بالإضافة إلى لغته الأساسية، ويقوم بتطوير مهاراته اللغوية، مما يجعله أكثر انفتاحًا على العالم. 

ممارسة هوايات جديدة: حتى يطوِّر الفرد من نفسه عليه أن يتعلم ويمارس هوايات جديدة، كتعلّم الطبخ، أو تصميم مواقع إلكترونية، أو تعلم المبارزة، أو التزلج على الجليد، أو كرة القدم، وغيرها. 

الحصول على دورات في مجالات مختلفة: الدورات وورش العمل وسيلة مهمّة للتعلُّم واكتساب مهارات جديدة. 

إنشاء غرفة مُلهمة: فإن تخصيص الشخص غرفة ملهمة له ستشعره بالأمان وتُرفع مستوى الطاقة الإيجابية لديه، مما يساعده على التركيز وتطوير مهاراته. 

التغلُّب على المخاوف: إذا أراد الفرد أن يطوِّر من نفسه فعليه أن يتغلب على مخاوفه، وأن يعمل على الجانب الإيجابي حتى يستطيع الوصول إلى هدفه. 

ممارسة العادات الجيدة: على الفرد أن ينظر إلى الجوانب الجيدة في شخصيته وعاداته ويعمل على تطويرها، مثلاً إذا كان ينام بوقت مبكر، أو يمارس الرياضة، أو يقرأ الكتب، فعليه أن يحافظ على هذا الجزء في حياته ويقوم بتطويره. 

وضع قائمة مهام: قائمة المهام أمر مهم جدًا لمن يسعى لتطوير ذاته، حتى يُحدد ما أُنجز ويحقق لديه الرغبة في إنجاز ما تبقى. 

الخروج من منطقة الراحة: حيث إن التطوّر والتنمية يحتاجان إلى المزيد من الجدِّ والتعب، إذ إن الراحة لن تُمكن الفرد من التقدم بشيء إن لم يحاول ويجتهد ليصل إلى ما يطمح إليه. 

التخلُّص من العادات السلبية: على الفرد أن يعترف بعيوبه أمام نفسه ويحاول التخلُّص من أي عادات سيئة يُمكنها إعاقة تطوره. 

تعزيز روح المنافسة: لن يشعر الإنسان بحاجته إلى تطوير ذاته إلا إذا كان هناك خصم أمامه يحتاج إلى أن ينافسه على أمر ما، فيبذل قصارى جهده حتى يكون هو الأفضل في النهاية.

هذه بعض الأمور، وكلها تندرج تحت منظومة التخطيط والتنفيذ، فإن لم تكن لديك رغبة فإنه لا يمكن أن تقوم بالتخطيط وبالتالي التنفيذ، أما إن كانت لديك رغبة فإنك حتمًا ستجتهد وسترهق نفسك حتى تطور ذاتك وحياتك، وإلا فإنه مهما كانت أمانيك فستظل أماني وأحلاما لا يمكن أن تتحقق.

Zkhunji@hotmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news