العدد : ١٥٥٦٢ - السبت ٣١ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٤ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٦٢ - السبت ٣١ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٤ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

الثقافي

«حارس زهرة الأوركيدا» ذوبان في المحنة ومحاكاة في هلع الجائحة

كتب: حسن بو حسن

السبت ١٩ ٢٠٢٠ - 02:00

لم يعد إلى الوراء أو يذهب بعيدا حيث دهاليز الماضي، لم يستعن بمخزون الذاكرة ولا باستحضار حكايات الآباء والأجداد في الحقب الزمنية السالفة، كما لم يستعن بالجغرافيا والتاريخ ولا بعلم الميثولوجيا أو بالكتب والمجلدات التوثيقية ليكتب روايته «حارس زهرة الأوركيد»، بدأ في كتابتها مثل طفل حديث الولادة، متأمل للحياة، لم يبصر سوى ملامح أمه وأبيه وأخته وأقاربه وصور المأساة التي عاشها بكل تفاصيلها وتجسدت أمامه مثل لوحات عملاقة لا تفارق مشاعره وأحاسيسه، عاش اللحظة والزمن والمكان والعصر ذاته، ذاب في المحنة الراهنة، حاكى جائحة «كورونا» أو ما يعرف بـ«كوفيد 19» عبر هذا المنجز الروائي المتميز، واجه الجائحة ببأس سردي شديد وبأسلوب فريد من نوعه ولغة رصينة، ليسجل الروائي جعفر يعقوب الإصدار الأول الذي يتصدر المشهد الروائي البحريني المتعاطي مع هلع الجائحة.

ومنذ زمن بعيد والأستاذ جعفر يعقوب ينهل من معين التجارب الروائية العالمية والعربية، يتعرّف على بلاغتها وفكرها وحسن حبكتها وعظمة مضامينها، ويتقرّب بذكاء وفطنة شديدة من الجسد الروائي البحريني، يتلمس سخونته ويراقب جديده ويقيس نجاحه بمخزونة المعرفي، الذي يعززه بالصمت والذكاء أحيانا وبالجلوس في المقاعد الخلفية أحيانا أخرى أو عبر التواصل الخجول مع الفعاليات والأنشطة الأدبية في البلاد ومع أصحاب التجارب من الروائيين البحرينيين، ومن يوم إلى آخر تولّدت القناعة المطلوبة لديه لمثل هذه الخطوة الحساسة، وتعززت الثقة التامة لديه في ظل اكتمال الرؤيا، حتى قادته روايته البكر «حارس زهرة الأوركيدا» إلى التجريب بكل جرأة وهمّة واستثمار جيد لكل مكتسباته العلمية، ولينتج لنا كمتلقين ومتابعين للشأن الأدبي البحريني هذا الإصدار الروائي المولود حديثا في عام 2020 حيث «زمن العزلة» للناشر «دار ومكتبة رؤى للنشر» والذي نقف عنده ونحاول الانفتاح على حاضره وعوالمه.

ولقد تمكن الروائي جعفر يعقوب من تقديم تجربته الروائية الأولى في تسعة عشر فصلا بمجموع 184 ورقة، ضمن قالب روائي قريب من واقع أعمال روائية تنبض بروح المعاناة القريبة منها وبذات البصمات التي تصبغ اللون الأزرق ذاته ولا تتشابه في الخطوط والأقواس والدوائر أو تنفك عن طبيعتها وتقاطعاتها، وهي في الواقع مختلفة جدا عمّا ألفناه أو ما هو سائد في الساحة المفتوحة وفي مساحة سرد انتهجتها العديد من التجارب المحلية في الآونة الأخيرة، فهذه التجربة الروائية «حارس زهرة الأوركيدا» بكل فنياتها البارزة وتقنيتها العميقة ولغتها القوية والمبهرة هي في الواقع بعيدة كل البعد عن استحضار التاريخ واستعارة الماضي أو اللجوء إليه واتخاذه وسيلة وجودية للحادثة وللشخصيات المحورية، كما أنها مجافية لتدوين الرؤى الاستطلاعية الهائمة في قراءة المستقبل المشابه لقراءة الكف ومتجردة من الهواجس والغموض والمجازيات وإعادة قراءة الأحداث الميتة والعمل على إنعاشها.

وتبدأ أحداث رواية «حارس زهرة الأوركيدا» للروائي جعفر يعقوب بالتحديد في 5 مارس 2020 من داخل قاعة مطار «مصطفى كمال أتاتورك» بتركيا، حيث الهلع من انتشار فايروس «كورونا» الذي يعم المكان بعد أن طحنت الجائحة أهالي «ووهان» الصينية وسلبت الكثير من أرواح ساكنيها، كما يرسم الروائي وبتقنية عالية جدا مشهد الرغبة المشتركة عند الجميع في مغادرة المكان والعودة سريعا إلى الأوطان، ويوفق الروائي جعفر يعقوب في الوصف الجميل لأجواء صالة المغادرين والوضع الإنساني الصعب للحالمين بمغادرة أسطنبول وذلك الإزدحام غير الطبيعي للمسافرين وحالة الرعب التي يصابون بها.

في المشهد الثاني تستمر معاناة أمير «الشخصية المحورية في الرواية» ووالده المحامي وأمه الواعية والمدركة للوضع والتي بدورها تحاول تلطيف الجو وقتل الخوف وبث روح الأمل وأخته سارة المبتهجة دائما والتي يطلق عليها داخل محيط العائلة بـ«سندريلا البيت»، إلا في ذلك الموقف المشحون بالقلق والحزن والخوف والانزعاج من الفوضى التي يشهدونها لأول مرة، ويأخذنا أمير بصفته الراوي العليم في مطالعات سابقة له مع اسماء لروايات وروائيين، ليبيّن لنا حجم معرفته وجولاته مع كتاب مختلفين ويمنحنا فسحة أمل كمتلقين للتجربة بعيدة عن اليأس والتشويش الذهني ووجع المطار وتأخر والده في مهمة مراجعة المعنيين بالأمر.

وفي الفصل الثالث تأكد تأخر الرحلة لعشر ساعات وبعدها تصعق العائلة بخبر إلغائها، تعم حالة من اليأس وانحباس الأوكسجين، والروائي جعفر يعقوب يصف أفواج المسافرين العالقين في المطار بـ«النمل المزدحم»، العطسات تدوي والخشية من انتقال العدوى تتعاظم، ويشهد الفصل الرابع عودة أمير وعائلته إلى فندق «فلاور بلاس» (قصر الزهور) والشوق إلى الوطن يبلغ ذروته، الوضع مخيف جدا، ونشهد بوضوح في المشهد الخامس تحول المكان الذي يحتضنهم إلى مستنقع آسن وموحش وفايروس «كورونا» ينشط يوما بعد يوم، ويأتي الفصل السادس للرواية ليرسم المزيد من عذاب الغربة ويوم ثالث من علوقهم في تركيا، وينتهي المشهد بخبر تأكد إصابة حبيب صاحب الابتسامة في الغربة، وأخيرا فايروس «كورونا» يخمد أنفاسه بعد أن عجزت أجهزة التنفس في منحه فرصة أطول في الحياة.

ويعود الروائي لفضاء البهجة في المشهد السابع مع إشراقة فرحة العائلة بخبر إقلاعهم إلى البحرين الوارد من موظف السفارة والشوق يزداد للحظة تقبيل تربة الوطن، وتنتهي معاناة علوقهم في الفصل الثامن المكتظ في مساحته السردية بصور الفرح الناجم عن بهجة العودة والوصول إلى البحرين، ويتميز الفصل التاسع للرواية بداية بفرحة دخول العائلة إلى البيت الذي يحتضنهم بعد معاناة الرحلة الطويلة وحاجتهم إلى استعادة وضعهم النفسي الطبيعي، بعدها يبدأ تواصل الشاب الجميل أمير مع المعارف وفي المقام الأول الصديقة أزهار، حسن، نصور وباقي قروب الجامعة، والتخطيط للقاء صديقه ناصر في مطعم حاجي بحضور كل الشلة، كميل، النمر الجارح، عدنان، جمال، سميح وصباح، أما الصديق أحمد رحيمي فقد كان في حالة صحية سيئة جدا بسبب «كورونا» وأنهت حياته لتترك حرقة في قلب أمير.

وتشتعل جمالية «زهرة الأوركيدا» مع بلوغ الرواية منتصف الطريق حيث الفصل العاشر ولقاء أمير بأزهار الطالبة المحتشمة الجذابة في ظرف احترازي داخل مكتبة الجامعة، يشربان القهوة معا ويتداولان مشروعهما الجامعي حول مسرحية «ليلة في منتصف الصيف» لـ«وليام شكسبير»، و«خليك في البيت» هو عنوان للمرحلة القادمة بدءا من الفصل الحادي عشر، وحلاوة «السيد حافظ مصطفى» التركية لصديقه حسن يجب أن تصل إليه قبل أن تتعفن، لقاء بطعم البقلاوة مع حسن قبل أن تشتد إجراءات العزلة وصحبة جدران البيت تدمر الأمزجة، ويشتد صخب «كورونا» في الفصل الثاني عشر وتغيب فيه من جديد لحظات السعادة، تكثر حكايات البؤس بسبب ضغوط وتداعيات مرض العصر الأخطر كما يصفه الروائي جعفر يعقوب، يستلم رسالة من أزهار تشرح فيها ماهية الابتلاء بجائحة «كورونا» ونتائجها الذي تسقطه على طغيان المتجبرين خلافا لعدالة الله وعظمته، هو فصل خصصه الروائي جعفر يعقوب لتبيان فلسفة الحياة والوجود، كما أن البؤس والأمراض والمجاعة من نتائج سلوك الإنسان المنحرف.

وفي الفصل الثالث عشر تحرمهم جائحة «كورونا» لقاء الجمعة العائلي البهيج، ويضطر أمير إلى البقاء في البيت ومساعدة أبيه في أعمال زراعية داخل البيت ويقضي الوقت المتبقي في قراءة كتاب ديني «منابع القدرة في الدولة الإسلامية» مسايرة لطلب أزهار وخوفه من الوقوع أمامها في حرج، ومع بداية الفصل الرابع عشر يدخل أمير في صلب التحدي مع أزهار المتدينة العقلانية العقائدية، إلا أن الساعات الأولى من الصباح تحمل لهم نبأ مؤلما ودموع الأم تكشف إصابة خالة أمير حكيمة بفايروس «كورونا» إلى حد المكوث في غرفة الإنعاش، السجال يستمر إلكترونيا مع أزهار ليوضح معالم الخير والشر وأبعاد الجائحة وظاهرها وحقيقتها وقتلها لآلاف الناس، وأما الفصل الخامس عشر فيقحم بالكوابيس التي تهاجم أمير وتطارده وترعبه في النوم واليقظة ومعاناة خالته حكيمة مع المرض تستمر.

وأجراس الخطر ترتفع في الفصل السادس عشر وصرخات الاستغاثة تزداد حدتها وجائحة «كورونا» أصبحت مثل النار في الهشيم، هكذا وصفها الروائي، تأكل من دون تفرقة، وكميل وبقية الزملاء يلتحقون بأفواج المتطوعين للجنة الوطنية لمكافحة «كوفيد 19»، وفي الفصل السابع عشر تسيطر على أمير فكرة التطوع على الرغم من معارضة والديه، كان يأمل في أن يكون أحد تيجان الوطن ويكون بجانب المصابين ويتألم معهم، وأزهار تشرح المبررات للتطوع وتقنع الأم ويتبعها الأب وأمير يخطو خطوته الأولى التطوعية، ويرتدي لباس التطوع ويبدأ المشوار في الفصل الثامن، ولقاء مفاجئ مع حسن ابن عمه المسؤول عن المجموعة المتطوعة، يحس أمير بقيمته كإنسان ويعي معنى التضحية من أجل الآخرين والوقوف في صف الوطن، مع وصول خبر عن أزهار وعملها التطوعي في الصفوف الأولى ورقي حال قلب الأم «أنت الغالي والوطن غال أيضا».

وتصل الرواية «حارس زهرة الأوركيدا» إلى محطة أحداثها الأخيرة وفصلها الختامي «التاسع عشر» بذوبان في العمل بالمحجر بعيدا عن الأم والأب والأهل، ويبرز الروائي جعفر يعقوب الاهتمام الخاص من الأم بأزهار «زهرة الأوركيدا» التي غرست عطرها في دم أمير، وكميل يصدم أمير ويصدمني كمتلقي وقارئ للرواية بموت أزهار بعد إصابتها بفايروس «كورونا»، وبهذا المشهد يختتم الروائي جعفر يعقوب روايته بفاجعة فادحة لا تقل عن هول فاجعة «كورونا».

وعلى الرغم من محاولاته السردية لإقناع القارئ بأن عطر زهرة الأوركيدا «أزهار الملاك» كما وصفتها الأم هو باق في القلب والوجدان، إلا أن الرواية والحدث المأساوي الأخير يسجل النهاية الحتمية ويؤكد عدم إمكانية الهروب من زاوية الوداع والمغادرة سريعا قبل الغرق والموت الآخر في بركة من الدموع، فكل تلك المشاهد المعبرة عن ألم المعاناة وقسوة الغربة ووجع المرض أحيانا والأمل بحياة أفضل والشوق والحب والصداقة وبحبوحة الحياة المتنامية التي اتكأ عليها الروائي جعفر يعقوب وسطّرها بعناية ووعي تامين حتى النفس قبل الأخير من الرواية، حيث كان يسقي بها عطش المتلقي للنص الروائي مثل الفلاح الحنون على شتلاته وشجيراته، كما كان يشبع بها شغفه ونهمه إلى المزيد من الطرح الراقي والزاد الروائي الأكثر عمقا، انتهت بموت أزهار وباختفاء ملامح ذلك العطر الذي جاء في السابق بروح متوهجة للحياة الممتلئة بالسعادة.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news