العدد : ١٥٥٦٢ - السبت ٣١ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٤ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٦٢ - السبت ٣١ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٤ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

الاسلامي

الإنسان في القرآن (27)

الجمعة ١٨ ٢٠٢٠ - 02:00

بقلم: عاطف الصبيحي

كان ومازال موضوع الأخلاق أحد أهم المباحث على مدار التاريخ، وكان يتأرجح توافقا واختلافا بين الفلاسفة والعلماء، منذ أرسطو وسقراط، مرورا بالديانات السماوية، وصولا إلى العصر الجاهلي حتى البعثة المحمدية المجيدة، ولم ينقطع الحوار حول هذا المبحث فيما بعد العصر الإسلامي الذهبي وما تلاه، بل كان له حضور قوي بين فلاسفة العصر الوسيط في أرجاء أوروبا، حتى يومنا هذا، ولن ينقطع، لأن كلمة الأخلاق لا تعني شيئا مجردا ومنفصلا عن كلمة الإنسان، وهذا سر ديمومة وحضور هذا المبحث، سواء كان حضورا فلسفيا أو دينيا، أو كلاهما معا.

ولو استعرضنا جانبا من التباين في الآراء بين الفلاسفة من شتى المرجعيات، وشخص سقراط يفرض علينا أن تكون البداية من هناك حيث عاش، سقراط يرى الارتباط عضويا ولازما بين الأخلاق والعلم، إذ يُسطر رأيه في هذا الجانب بقوله: «إن معرفة الفضيلة تُكسبها، والجهل بها مصدر الرذيلة ومأتاها»، بينما يرى غيره أن العلم ليس له أثر في ترقية الإنسان أخلاقيا، ويتبنى هذا الرأي باسكال، ويُلخص رأيه بالقول: «إن الأخلاق الصحيحة تهزأ بعلم الأخلاق وتسخر منه»، ويؤازره «هربرت سبنسر» في رأيه هذا قائلا: «حماسة الأخلاقيين من الفلاسفة ونشاطهم في نشر العلم رغبة في إصلاح النفوس البشرية إنما هي بدعة وسخافة، وكيف يُرجى من العلم تهذيب النفوس، بينما نرى المتعلمين لا خلاق لهم، ونرى الوعّاظ يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، وبجانب هؤلاء نرى الجُهال والأميين مَنْ هم على جانب عظيم من الاستقامة والشرف؟!»، وبذلك يُنكر سبنسر تماما الصلة بين العلم والأخلاق. 

 في ثقافتنا الإسلامية الأمر مختلف عما ذهب إليه باسكال وسبنسر، لأنهما برأيهما هذا لم يُبقيا للتعاليم الدينية مكانا، ولا أثر في سلوك الفرد، ومن ثم إذا ما سلمنا معهما فإننا نكون قد نسفنا الأساس الذي قامت عليه هذه السلسلة، وأساسها كما ذكرنا سابقا أن الأخلاق -أخلاقنا الإسلامية- إن جاز هذا التعبير مستمدة من القرآن الكريم بالدرجة الأُولى، على شكل حزمة أخلاقية متماسكة منضبطة واسعة، فيها هامش حركي عظيم يُتيح لكل المسلمين نيل جانب منها، إذا لم تسعفه قدراته من بعض الجوانب، ورسولنا الكريم بشخصه النبيل كان ترجمة أمينة ودقيقة لتلك الحزمة أو المنظومة في بيته، مع أصحابه، وفي دعوته، عندما ضاقت عليه الأرض بما رحُبت، وعندما قدِم فاتحا مكة، مع الشريف ومع الفقير، وتبعه في ذلك الثلة المباركة التي سماها الله «السابقون السابقون»، وعلى نهجهم سار السلف والتابعون ومن بعدهم إلى يومنا هذا، ونحن على هداهم سائرون، وبنهج محمد بن عبدالله مقتدون، راضون وراجون من الله أن يتحقق فينا قوله وقوله الحق «لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون». هي جائزة لا يدرك كنهها إلا من فقه معنى الخوف والحزن حق الفقه، وما هو إلا فقه بدائي مع الهول الذي ينتظر من لا يرحم ولا يتصدق ولا يعفو ولا يصفح... يتبع في المقال القادم. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news