العدد : ١٥٥٥٦ - الأحد ٢٥ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٨ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٥٦ - الأحد ٢٥ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٨ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

قضايا و آراء

التكنولوجيا المالية.. هل مازالت ثورة أم تحولت إلى نظام؟ (2-2)

بقلم: د. أسعد حمود السعدون {

الخميس ١٧ ٢٠٢٠ - 02:00

لا ريب ان شركات التكنولوجيا المالية الناشئة والتي اغلب مؤسسيها من الشباب المتميزين بالريادة والابتكار، والذين استثمروا فيها اعتمادا على التمويل برأس المال الجريء، تمثل النخبة أو الطليعة لثورة التكنولوجيا المالية، اذ ان مؤسسيها كانوا الأكثر وعيا وإدراكا لخلل الخدمات المالية والمصرفية السائدة، سواء بحكم عملهم السابق فيها أو تعاملهم معها أو من خلال دراستهم وبحثهم في أوضاعها، لذا سعوا من خلال استثمار تقنيات الثورة الصناعية الرابعة (الذكاء الاصطناعي، والريبوت، والإنترنت الفائق السرعة، ومعالجة المعلومات الكبيرة (Big Data)، البلوكتشين، الواقع الافتراضي، والتعلم الآلي والتحليلات السلوكية التنبؤية، والعقود الذكية، والتسويق الرقمي، ومنتجات الاقتصاد الرقمي الأخرى) إلى تقديم منتجات مالية ومصرفية جديدة، وجدت طريقها إلى النجاح والقبول العام، من عملاء القطاع المالي والمصرفي المتطلعين إلى الخلاص من رتابة وقيود النظام المالي والمصرفي السائد، ومن أولئك المحرومين من الخدمات المالية والمصرفية التقليدية لأسباب شتى، ثم التحق بالطليعة (شركات التكنولوجيا المالية الناشئة) قوى أخرى إما ان تكون مؤمنة فعلا بضرورات الخلاص من هيمنة المؤسسات المالية والمصرفية التقليدية على قطاع الخدمات المالية والمصرفية، ونشير هنا إلى مقولة سابقة لمؤسس شركة «مايكروسوفت» - بيل جيتس 1994 يقول فيها «العمل المصرفي ضروري، لكن البنوك ليست كذلك»، وإما ان سبب الاستثمار في التكنولوجيا المالية يهدف إلى اقتطاع جزء من الارباح الهائلة التي تتحقق في قطاع الخدمات المالية والمصرفية، فكان ذلك مبررا للعديد من الشركات، مثل شركات تكنولوجيا المعلومات، والاتصالات والإعلام، والتجارة الإلكترونية (Google وApple وFacebook وAmazon وPayPal ، وAlibaba وغيرها) لتكون بمجموعها قطاع التكنولوجيا المالية الذي يمثل مظلة للخدمات المالية المبتكرة المدعومة بالتكنولوجيا ونماذج الأعمال التي تصاحب تلك الخدمات، الأمر الذي أدى إلى تجاوز الاهتمام والمتابعة للتكنولوجيا المالية القطاع التقني الذي ولدت فيه، والقطاع المالي والمصرفي المستهدف من قبلها، لتمتد إلى القطاعات الاقتصادية الأخرى، وإلى السياسيين، وإلى الأكاديميين والجامعات ومراكز البحوث والدراسات، وجميع شرائح المجتمعات. وأخذت شركات التكنولوجيا المالية تسارع الخطى للهيمنة على المشهد المالي العالمي، ولا سيما بعد ان حسمت العلاقة بينها وبين المؤسسات المالية والمصرفية التقليدية إلى التعاون بدلا من التنافس والإزاحة والاختراق، فبدون التعاون الاستراتيجي تفشل نسبة تصل إلى 95% من شركات التكنولوجيا المالية الناشئة في مرحلة التوسع، وخاصة ان الشركات الناشئة تحتاج إلى اختبار وتكوين وتصميم التطبيقات التي تدمج التقنيات المختلفة وغير المتجانسة عادةً، من خلال عمليات المحاكاة الحية وظروف التشغيل الواقعية، والتي تعد جزءًا حيويًا من عملية التطوير، وهذه المهام تتطلب تعاونًا استراتيجيا وبيئة تنظيمية ملائمة توفرها البنوك المركزية عادة. من جانب آخر أدركت المؤسسات المالية والمصرفية التقليدية ان لا بديل أمامها غير التوجه التام نحو التكنولوجيا المالية، وإعادة النظر بنظمها وسياساتها وهياكلها ونماذج أعمالها بما يواكبها ويستفيد من منتجاتها والنتائج الفائقة التي حققتها، فأصبح الكثير من البنوك الكبيرة يتبنى عملية تشغيل واستيعاب طاقة التكنولوجيا الفائقة، وبناء منتجات تكنولوجيا مالية جديدة خاصة به، فمثلا تقوم بنوك مثل Goldman Sachs وJPMorgan Chase بتنظيم فرق وأفراد لتطوير وقيادة مبادرات جديدة من خلال الابتكار المفتوح، بالإضافة إلى تبادل المعرفة مع شركات التكنولوجيا المالية الناشئة وأصحاب المصلحة الآخرين.

وقد كانت حكومات مختلف دول العالم حريصة على الاستفادة من التكنولوجيا المالية وذلك في إطار سعيها للحفاظ على استقرار القطاع المالي والمصرفي في بلدانها، وإلى تطويره، وتوسيع أنشطته بما ينعكس إيجابا على مجمل حركة الاقتصاد الوطني، فضلا عن تحقيق الشمول المالي، لما له من دور ايجابي في توسيع قاعدة الاستثمارات الصغيرة والمتناهية الصغر، وبالتالي الحد من الفقر والبطالة، علاوة على دعمها للابتكار والريادة والإبداع في مختلف القطاعات، وتشجيع المنافسة المنضبطة في القطاع المالي والمصرفي، مع الالتزام بالتشريعات والقواعد التنظيمية، إلى جانب سعيها إلى تعميم التحول الرقمي لمختلف قطاعاتها الاقتصادية والاجتماعية، لذا فقد تفاعلت مع القادم الجديد (التكنولوجيا المالية) ووجهت بنوكها المركزية إلى الاهتمام بها والسعي إلى توطين شركاتها الناشئة في بلادها، والاستفادة من مزاياها، وايجاد البيئة التنظيمية والتشريعية المناسبة لها، والاستعداد لخفض اي اثار سلبية أو تحديات يمكن ان يتعرض لها القطاع المالي والمصرفي جرائها، فكان للبنوك المركزية في مختلف دول العالم الدور الأكبر في توجيه قطاعاتها المالية والمصرفية لتبني التكنولوجيا المالية.

وقد تطورت منجزات شركات التكنولوجيا المالية على مراحل بدءا من مجال المدفوعات وحلول الإقراض Payments Solutions، واعتماد منصات التمويل الجماعي Crowdfunding platforms، وشبكات الإقراض المباشر من نظير إلى نظير P2P، وحلول الدفع مثل «باي بال»، ثم تطورت في المراحل اللاحقة نحو التحويل المالي الدولي، وإدارة الثروات، والتأمين، والاستشارات المالية المختلفة. وازداد عدد شركات التكنولوجيا المالية خلال السنوات (2010-2020) بشكل كبير، واتسعت نشاطاتها اعتمادا على نمو عدد مستخدمي الإنترنت، ودرجة اتصال الإنترنت وسعته، ونمو عدد المستخدمين النشطين للهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر والأجهزة اللوحية، وتطور التجارة الإلكترونية، بما في ذلك عبر الهواتف المحمولة. وأصبحت العملات المشفرة، بصرف النظر عن موقف السلطات التنظيمية تجاهها، حقيقة واقعة للقطاع المالي وتستخدم بنشاط لدفع ثمن السلع والخدمات. وأصبحت التكنولوجيا التنظيمية RegTech أحد العناصر المهمة في التكنولوجيا المالية، والتي تسمح للشركات بتجاوز الحواجز التجارية وتساعد على بناء حوار بناء مع المنظمين. ويتم استخدام التكنولوجيا الاشرافية SupTech لأغراض التحليل والتنبؤ كما أنها توفر شفافية أكبر وإدارة محسّنة للمخاطر، وممكّنة جزئيًا على الأقل من خلال قدرتها على الحصول على ملاحظات العملاء الفورية واستخدامها لتشغيل التعديلات في الوقت الفعلي في الخدمات التي يقدمونها. عموما أحدثت التكنولوجيا المالية تحولا عميقا في الوعي المالي والمصرفي في مختلف بلدان العالم، ولم تزل تقدم كل ما هو جديد في الخدمات المالية والمصرفية من جانب ، ومن جانب آخر فإن البنوك والمؤسسات المالية الأخرى تتنامى ابتكاراتها ويتعاظم استيعابها لفلسفة التكنولوجيا المالية، الأمر الذي يمكن ان يحدث نوعا من التوازن الابتكاري والاستقرار في السنوات القادمة، بينها وبين شركات التكنولوجيا المالية، وحتى يحصل ذلك ستبقى التكنولوجيا المالية ثورة متقدة في قطاع الخدمات المالية والمصرفية.

‭{‬ أكاديمي وخبير اقتصادي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news