العدد : ١٥٥٥١ - الثلاثاء ٢٠ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٥١ - الثلاثاء ٢٠ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

طالب بالوكالة نظير عمولة

أبقى مع موضوع أثير في نفسي وهو التعليم والتربية، وقد كتبت عشرات المقالات في نعي وذم معلمين مارسوا صنوف بلطجة لا تليق بمن يحمل مسمى مربي في حق الطلاب، ومنهم ذاك الذي قال للطلاب ان من يبوس قدمه لن يرسب في اختبار الرياضيات أو تلك الزيمبابوية التي كانت تعاقب صغار التلاميذ بالرضاعة من ثديها، ولكن وبالتأكيد هناك طلاب وجودهم في المدارس خطر على العملية التعليمية، لأنهم غير راغبين في التعلُّم ولا يسمحون لغيرهم بتلقي الدروس بالطرق الصحيحة، ومنهم زميل لنا كتب مرشد الصف في تقريره الخاص بنتائج نهاية العام: فاسد في نفسه ومفسد لغيره.

وأنقل اليكم اليوم حكاية تفيد بأننا نقلنا بعض أمراض التعليم عندنا إلى دول ذات أنظمة تعليمية متقدمة، ولن يصاب بعضكم بالدهشة عندما سماع خبر اعتقال الأمريكي إيمون دانييل هينغنز، بعد اكتشاف أنه كان يمارس الدراسة والجلوس للامتحانات نيابة عن طلاب من الشرق الأوسط ملتحقون بالجامعات الأمريكية، وحسبما جاء في صحيفة لوس أنجلوس تايمز، فقد كان إيمون يغشى عشر جامعات، لحضور محاضرات بدلا من عدد من الطلاب: يداوم في جامعة ما ليومين ثم ينتقل إلى أخرى، مرة اسمه زهير وأخرى حسب الله وثالثة مصطفى ورابعة مازن وهكذا وهكذا، والغرض من حضور المحاضرات نيابة عن الزبائن هو أن لا تكتشف الجامعة غيابه وتشطب اسمه من قوائمها فيفقد حق الإقامة في الولايات المتحدة، ويفقد المنحة المقدمة من سفارة بلاده نظير تلقيه التعليم الجامعي؛ وإيمون هذا «عبقري» جدير بالإعجاب، فقد جلس لامتحانات في علم الاجتماع والجغرافيا والرياضيات والتسويق والأدب الإنجليزي، ولأنه «مجتهد» وزبائنه الشرق أوسطيون «مُجْهدون» بسبب السهر والهلس، فقد كسب مئات الآلاف من الدولارات، ولما كثر زبائنه من عيالنا الذين يكلفون أهلهم وحكوماتهم الملايين قام بتوظيف معاونين، إحداهن سيدة كانت تضطر أحيانا إلى التنكر كرجل لحضور المحاضرات وخوض الامتحانات نيابة عن الطلاب.

لم أتعجب لحكاية إيمون وزبائنه، لأنني خالطت جميع شعوب الشرق الأوسط وأعرف ان أنظمتهم التعليمية لا تهتم إلا بالكم: 90% من الطلاب حققوا نتيجة 95% فما فوق ذلك، بل تزور الأمهات والآباء المدارس لاستجداء المعلمين لمنح الولد/ البنت بضع درجات إضافية كي لا يرسب/ ترسب أو كي يتبدل الترتيب من الثاني عشر إلى السابع، وفي الكثير من العواصم الخليجية توجد مكاتب تجارية تقول لافتاتها إنها تقوم بالبحوث الجامعية، فيأتي زبون ويقول إن لديه بحثا عن «التغيرات المناخية»، ويطلبون منه العودة بعد يومين و«نعطيك بحثا تأكل صوابعك وراه»، ويأتي إلى نفس المكتب آخر طالبا بحثا عن نظرية نيوتن فيقولون له: والله انت ابن حلال.. عندنا الحين بحث طالع من الفرن حول الموضوع بس أعطنا اسمك لنضعه في الترويسة!!

ولكن ان نبعث بعيالنا إلى أمريكا وأوربا ليختاروا الصرمحة والصياعة والسهر، ثم يعطون توكيلات لآخرين ليذهبوا إلى الجامعات ويجلسوا للامتحانات نيابة عنهم فهذه كارثة.. ليس بسبب هدر الأموال بل بسبب «هدر العمر»، ومن يمضي في أمريكا أربع أو خمس سنوات بحجة الدراسة دون ان يدرس أي شيء ولكنه يعود في خاتمة المطاف حاملا بكالريوس أو ماجستير أو دكتوراه يعني ان عدد الثيران في مواقع العمل في بلداننا سيكون في ارتفاع طردي، وتحصد البلاد الهشيم.

عندما كنت مقيما في لندن عرفت أن هناك أشخاصا لا عمل لهم سوى إعداد البحوث الجامعية، وكنت رفقة أحدهم وهو يحمل بكالريوس جغرافيا، عندما طلب منه زبون إعداد بحث في الصيدلة، فقبل الطلب وحدد له موعدا لتسلم البحث، فسألته عن علاقته بالصيدلة، فقال لي إنه يقوم بتشغيل مختصين في مختلف فروع المعرفة من الباطن ويأخذ عمولة، وبما أنني خريج آداب وأحمل في نفس الوقت درجة الدكتوراه في المسالك البولية من جامعة هارفاد فإنني أنصح طلابنا البلطجية في أمريكا بضغط المنصرفات: بحبحوا كذا سنة ثم قوموا بشراء شهادات عبر الإنترنت! وسعر الدكتوراه التي اشتريتها 119 دولارا.. يعني البكالريوس في حدود 80 دولارا.. يا بلاش يا أوباش.

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news