العدد : ١٥٥٥١ - الثلاثاء ٢٠ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٥١ - الثلاثاء ٢٠ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

حديث القلب

حامد عزت الصياد

السودان.. فيضانات وكوارث

إنسانية معذبة تراوح مكانها بين الشقاء والألم..

بين معاناة الناس في السودان واليمن من الفيضانات وانهيار الجسور وتردي البنية التحتية، تظل المياه هي شريان الحياة على الأرض، ولكي نحمد نعم الله علينا النهوض بتحويل هذه المياه إلى نعمة بدلا من أن تكون نقمة، وتصبح تداعياتها مدمرة على البيئة والإنسان والحيوان، والنبات، وهدم البيوت، وانجراف التربة، وتزيد من تفاقم الأوضاع المعيشية، وتعيق نهوض الاقتصاد، وتعميق المآسي الإنسانية في البلدين الشقيقين.. 

هذه الإنسانية المعذبة تطفو على السطح في الزمن الرخو، ضمن عالم انتقائي مليء بالعنصرية مأزوم بالفساد، لا يتوافر لها حظ من التكامل أو الراحة، ولا تكاد تمت بأدنى صلة لمعنى الحياة أو العيش الكريم، وقد اعتادت مجبرة أن تقيم تعارضا بينها وبين عالم فاسد موحش في الثراء، يمرح فيه المردة من شياطين الإنس والجن، وتدير معركتها مع الغرب والشرق على مساحة يسكن فيها العقل والقلب بطول وعرض هذا الكوكب.. 

معركة ذات ديمومة تاريخية، لم تحقق منها الاستقلال، أو اتخاذ القرار حتى الآن، ولم تنتزع منها الصيرورة نحو الحرية وحقوق الإنسان، واستمرت تعالج بنفسها جرحها النازف بقيمها الأخلاقية، من واقع أن الله تعالى خلق هذه الشعوب للعزة لا للمذلة، وللقوة لا للضعف، وللنباهة لا للخمول، ولكن العنصرية المستبدة التي أرستها «أوربا» في المجتمعات العربية التي احتلها عقودا من الزمن، تصور لنا أن بلدا ما، تابع لها في الثقافة واللغة والانتماء البنيوي، هو من طينة غير طينة السوداني أو اليمني الذي جرفته الفيضانات والسيول الأخيرة.. 

 يمكن إدراك هذا التمايز الكيفي بين العنصرية الثقافية والدينية المنتمية إلى سلالات بشرية بعينها، وبين الضحالة الوجدانية في الاستبداد السياسي برؤيته الدينية، ومسافة الوهم والخرافة الفاصلة في تصريحات «البابا فرنسيس»، والرئيس الفرنسي «ماكرون» عن تضامنه مع لبنان، ودعوته لمساعدة هذا البلد «بسخاء»، بعد الانفجار الذي عصف بالعاصمة بيروت، بينما لم يفعلها مع السودان الذي دمرت الفيضانات فيه آلافا من المنازل، والبني التحتية، وشردت نصف مليون إنسان، وحالات وفاة، ومفقودين، وإعلان حالة الطوارئ..

كنت أتمنى على سيد دولة الفاتيكان بابا الكنيسة الكاثوليكية أن يكون منصفا مع كوارث السودان واليمن التي تسببت فيها الفيضانات والسيول المدمرة، فلا تقل الدولتان في قيمهما الأخلاقية والحضارية والتاريخية عما طرحه البابا عن كارثة مرفأ بيروت، ووصفه للبنان «بثمرة لقاء الثقافات المختلفة ونموذجا للعيش المشترك» بحسب تعبيره، كما أن الله تعالى خلق الناس جميعا لا تمايز بينهم، وليكونوا سواء في الحقوق والواجبات، وعليه أن يمحو البابا من نفسه أن في الأرض شعوبا قد خلقت ليسودها، بل هو بحاجة الى أن يكون عادلا بين أتباعه، وإن اختلفت أماكنهم ومواقعهم على الخريطة..

الواجب الديني الصحيح يحتم على «البابا فرنسيس» أن تتجه أفكاره إلى السودان واليمن، كما توجهت من قبل إلى لبنان، وأن يصلي ويدعو من أجل حث المجتمع الدولي على مساعدة البلدين الغارقين في السيول والفيضانات، وأن يدعو ـ كراعي للمسيحيين حول العالم ـ إلى التعاون من أجل المصلحة العامة لهذين البلدين، فالبعض غارق في المياه حتى أذنيه، واخرون يسبحون، أو يتنقلون بقوارب بين الطوفان، فضلا عن تدمير المحاصيل، واختفاء الحقول والبساتين الزراعية..

في الختام، انفجار المرفأ في بيروت كان بفعل فاعل، والكوارث الطبيعية كالفيضانات والسيول في السودان واليمن كانت ابتلاء من الله للعباد بكافة دياناتهم ومعتقداتهم، وأن المسيحية في السودان يدين بها 4% من السكان موزعين في محافظات الخرطوم، والقضارف، والأبيض، على أقلية من الأرثوذكس، والأرمن، والكاثوليك، والبروتستانت، وأتباع من الكنيسة الإنجيلية، كما أن المسيحية في اليمن موزعة في صنعاء، وتعز، وعدن، بين كنائس للروم الكاثوليك، والبروتستانت، والأرثوذكس، وأخرى للإنجيليين، تماما كالطوائف المسيحية في لبنان والموزعين في بيروت، والجبل، والبقاع، والنبطية، وعكار، وبعلبك، والهرمل، وإن اختلفت في مسمياتها بين المارونية، والروم، والسريان، والآشورية، لكن في كلا البلدين كنائس متشابهة تماما في المعتقد، وإن اختلفت مسمياتها بين شرقية ورسولية وملكية ضمن طوائف أخرى.

إقرأ أيضا لـ"حامد عزت الصياد"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news