العدد : ١٥٥٥١ - الثلاثاء ٢٠ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٥١ - الثلاثاء ٢٠ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

عالم يتغير

فوزية رشيد

المناعة الفكرية إن ضعفت!

‭{‬ من المؤكد علميًا أن الفيروسات والأمراض بعمومها، تغزو الجسم بشكل كبير إذا كانت مناعة هذا الجسم (بيولوجيا مناعة ضعيفة) ولضعف تلك المناعة أسباب مختلفة تتداخل فيها العمليات والمؤثرات الجسدية والروحية وتترابط، فيتصرف الجسد باستسلام وضعف أمام أي غزو يغزوه بالأمراض والميكروبات والفيروسات! وهو ما يخضع لتجارب علمية، ويتم علاجها بالأدوية وغيرها، إلا في الحالات المستعصية التي يقف الطب والعلم أمامها عاجزًا حتى الآن، وذلك العجز أسباب بعضه مقنعة وبعضها غير مقنع!

‭{‬ بالمقابل من المعروف تاريخيًا وحضاريًا أن الأمم كالأجساد، تمرض، تضعف، تشيخ، تسقط حضارات وتأتي حضارات أخرى تحل مكانها، ولذلك أسباب مختلفة أيضًا بحسب الوقائع والأحداث التاريخية في مسيرة الأمم والحضارات وأسباب قوتها أو ضعفها، والتي تعتبر «مقدمة ابن خلدون»، أفضل من رصدها، وبين أو شرح منحنياتها ومفاصلها، وشرح الأسباب الكامنة والظاهرة خلف صعود الأمم أو سقوطها، وهي «المقدمة» التي احتضنها الغرب كغيرها من كتب الحضارات العربية القديمة والحضارة الإسلامية ونتاجها العلمي والفكري، وتحولت إلى (مراجع علمية) أسهمت في تطور الغرب وقفزاته العلمية التي تواصلت إلى ما نعرفه اليوم عنها!

‭{‬ إن الشعوب التي لا تمتلك (حصانة فكرية) نابعة من دروس تاريخها والأحداث التي مرت بها، ولا تمتلك «رؤية استراتيجية» بمعنى إدراك الأبعاد والمخاطر التي تعرض نفسها ومستقبلها له، فتتوالى أخطاؤها الاستراتيجية من دون الاستفادة من تجاربها وخبراتها، هي أمم (ضعيفة المناعة) تجاه أي تلاعب بتاريخها وهويتها، ويتم غزوها فكريًا كما تغزو الفيروسات الأجساد الحية! ويسهل على «الغازي» (إعادة برمجة عقول أبنائها)، فلا تعود تدرك أهمية تاريخها لأنها لا تعرفه، ولا تتأمل بعمق في مآلات الأحداث التي تحيط بها، لأنها فقدت البوصلة التي تربط الماضي بالحاضر والمستقبل، وتستسلم للرؤى «المرحلية» باعتبارها خطوط أمان تسير فوقها!

فيسهل تغيير وجهتها، لأنها بالأساس أصبحت أمة مريضة، لا تمتلك حصانة أو مناعة فكرية وروحية قوية، فتصبح لاحقًا كالريشة في مهب الريح!

‭{‬ حين تتغير المعادلات أو الرؤى الاستراتيجية لدى أي أمة، فلا بد بالأساس أن تكون مستندة على قوة تلك الأمة في الكثير من المناحي السياسية والاقتصادية والأمنية، وأن تكون قد شقت الطريق الطويل نحو النهضة والتنمية والتطور، مما يجعلها تقف بندية أمام الأمم الأخرى، وإن كان لها «أعداء تاريخيون» فلا بد من تحقيق كل ما يؤهلها للبقاء أمام أولئك الأعداء سواء بما يتعلق بالقوة المادية (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ) أو ما يتعلق بالقوة الفكرية المستمدة من قوة حضاراتها وتاريخها السابق ورؤيتها الاستراتيجية، أو بما يتعلق بقوتها الروحية المستندة على مبادئ وقيم دينها، من دون ذلك تبقى على أرض غير صلبة، وجسدها العام أو جسد الأمة العام يبقى بمناعته الضعيفة قابلاً لكل أشكال الغزو الفكري والسياسي والديني، الذي معه تتبدل الجلود، وتسقط الأمم في هوة سحيقة، وطرف خيط الإنقاذ من تلك الهوة بيد أعدائها الذين ينظرون إليها من فوق!

إقرأ أيضا لـ"فوزية رشيد"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news