العدد : ١٥٥٥٥ - السبت ٢٤ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٧ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٥٥ - السبت ٢٤ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٧ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

دعم فرنسي لسيادة العراق

تستطيع فرنسا بما لها من ثقل ودور دولي وحضور إقليمي مؤثر أن تقدم مساعدة قوية لمسعى العراق نحو تعزيز دور الدولة العراقية والمحافظة على سيادتها في مواجهة الانتهاكات الخطيرة التي تتعرض لها هذه السيادة عبر التدخلات الفجة التي تمارسها قوى إقليمية استغلالا لضعف الدولة العراقية، وخاصة تركيا التي تنتهك قواتها المسلحة السيادة العراقية بين الفينة والأخرى وتحتل أجزاء من الأراضي العراقية بحجة مطاردة ومحاربة مقاتلي حزب العمال الكردستاني التركي الذين يتخذون من بعض مناطق الشمال العراقي مواقع ارتكاز لهم، وهي نفس الحجة التي تلبسها تركيا لتبرير تدخلاتها المباشرة واحتلالها أجزاء من أراضي الجمهورية العربية السورية وتبنيها ودعمها للفصائل المسلحة التي تهدد سيادة هذه الدولة.

زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون التي شدد خلالها على استعداد فرنسا لتقديم المساعدة للعراق للحفاظ على سيادته جاءت في وقت يعاني فيه العراق من تدخلات عسكرية تركية سافرة ومن تدخلات إيرانية سياسية وأمنية أيضا، وجاءت أيضا مباشرة بعد الكلمة التي ألقاها رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي التي أكد خلالها أن «هناك أطرافا تعتاش على الفوضى، ونعمل بقوة لإعادة هيبة الدولة ورفع معنويات قواتنا البطلة التي انكسرت خلال الفترة الماضية، ولدينا عمليات لفرض القانون».

إعادة هيبة الدولة العراقية، سواء على مستوى الداخل، أو في علاقاتها مع القوى الخارجية، بعد ما يقارب العقدين من الانهيار الأمني والاقتصادي والسياسي الذي أعقب الغزو الأمريكي عام 2003، وبعد القرارات الكارثية التي اتخذتها سلطات الاحتلال الأمريكي وأخطرها حل الجيش وقوى الأمن العراقية، إعادة هيبة الدولة بعد هذه التحولات الدراماتيكية، تحتاج بالدرجة الأولى إلى العمل الجاد والمخلص من أجل بناء دولة قوية قادرة على تحقيق هذه الهيبة والأهداف الأخرى.

الإمكانيات الذاتية والظروف التي يمر بها العراق، لا تسمح له منفردا بتحقيق ذلك، أضف إلى ذلك، فإن هناك قوى، كما قال رئيس الوزراء العراقي تعتاش على الفوضى، وليس من مصلحتها أن يتمكن العراق من بلوغ هذا الهدف، وبالتالي فإن العراق في مثل هذه الظروف بحاجة ماسة إلى دعم صادق وقوي من جانب الأشقاء والأصدقاء ومن ضمنهم فرنسا بالطبع، بشرط ألا تكون هذه المساعدة وهذا الدعم على حساب السيادة العراقية أو يكون ثمنها الانخراط في سياسة المحاور التي لن يستفيد منها العراق شيئا بعد سنوات الدمار الذي حل به.

الرئيس الفرنسي خلال زيارته الأخيرة للعراق تعهد بــ «دعم العراق الذي يواجه تحديين رئيسيين وهما تنظيم الدولة الاسلامية (داعش) والتدخلات الأجنبية»، مثل هذا الكلام جاء في محله، فالعراق، كما يعلم الجميع، بحاجة إلى مثل هذا الدعم من دولة عظمى، كفرنسا، التي ظلت تاريخيا محل ترحيب من جانب العراق، واتسمت العلاقات بين البلدين، حتى إبان فترة حكم الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، بالدفء ووقفت فرنسا داعمة بقوة إلى جانب العراق في حربة مع إيران في ثمانينيات القرن الماضي، واحتفظت بعلاقات مميزة مع بغداد حتى بعد إسقاط النظام. 

بعض المراقبين والمحللين ربطوا زيارة ماكرون وتعهده بدعم سيادة العراق في وجه التدخلات الخارجية، على انها رسالة مبطنة موجهة إلى تركيا التي تستبيح السيادة العراقية بشكل شبه يومي وسافر. مثل هذه القراءة تأتي على خلفية احتدام الخلافات في شرق البحر الأبيض المتوسط، بين فرنسا وبعض الدول الأوربية من جهة، وتركيا من جهة أخرى إضافة إلى الخلاف بين باريس وأنقرة فيما يتعلق بالأزمة الليبية، وما رافق ذلك كله من تلاسن حاد بين البلدين في أكثر من مرة، بل وصل هذا التلاسن إلى حد تهديد كل منهما برسم خطوط حمراء للآخر.

قد يكون في مثل هذه القراءة جانب من الصحة، ولكن فرنسا بحكم موقعها كقوة إقليمية ودولة كبيرة، لها مصالح كثيرة في العراق، كما لها مصالح أيضا في كل من سوريا ولبنان، ومن هذا المنطلق فهي بالتأكيد سوف تسعى لحماية هذه المصالح وتعزيزها، وخاصة في ظل الاندفاع التركي، غير المشروع، وغير القانوني في هذه الدول ومحاولة أنقرة اللعب على الوتر الطائفي لشرعنة وجودها وتدخلاتها المباشرة وغير المباشرة في الشؤون الداخلية لهذه الدول، التي هي بحاجة ماسة إلى دعم فرنسا، وغيرها من الدول، بشرط أن تكون على أرضية المصالح المشتركة.

لا شك أن أنقرة قرأت تصريحات الرئيس الفرنسي، وخاصة حديثه عن التدخلات الخارجية، على أنها معنية بهذه التصريحات مباشرة كونها واحدة من الدول التي تتدخل بطرق غير مشروعة في الشأن الداخلي العراقي وتنتهك سيادته وواجهت أكثر من احتجاج وشكوى عراقية وإدانات عربية على مثل هذه التدخلات والانتهاكات، وهي ستكون منزعجة أكثر إذا ما ترجمت فرنسا تعهداتها حيال السيادة العراقية إلى أفعال حقيقية، فباريس تملك من الأوراق السياسية ما يكفي للحد ومواجهة هذه السياسة التركية غير العقلانية في المنطقة.

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news