العدد : ١٥٥٥١ - الثلاثاء ٢٠ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٥١ - الثلاثاء ٢٠ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

«شارلي إيبدو» تكرر خطأها الجسيم

أيا تكن وجهة نظر أو دوافع القائمين على تحرير وإدارة صحيفة «شارلي إيبدو» الفرنسية من وراء قرارهم إعادة نشر الصور المسيئة للنبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، في عددها الذي صدر قبل أيام, وقد سبق للصحيفة أن نشرتها عام 2015, وأثارت ردود أفعال عنيفة وصلت إلى حد الهجوم المسلح على مقر هذه الصحيفة, وخلف 12 قتيلا في صفوف العاملين فيها، نقول إعادة نشر هذه الصور المسيئة بحجة أن النشر يأتي تزامنا مع بدء محاكمة 14 متهما في قضية الهجوم على مقر الصحيفة لا يمكن أن يكون مبررا مقبولا أو حتى منطقيا للإقدام على مثل هذا العمل الاستفزازي الذي لن يخدم الصحيفة بشيء، بأكثر ما يعيد تأليب الرأي العام في الوسط الإسلامي ضدها ويدفع باتجاه المزيد من العنف والتطرف.

ردة الفعل العنيفة التي أعقبت نشر الصور المسيئة هي ردة فعل مرفوضة تماما, وان عدم قبول أو تبرير ما أقدمت عليه الصحيفة ليس حجة ولا سببا مقبولا لاستهداف أرواح العاملين فيها، مثل هذه الأعمال العنيفة لا يمكن أن تصحح الخطأ الذي وقعت فيه الصحيفة، علاوة على أن هذه الأعمال ليست حلا مقبولا في مواجهة التطرف، بل على العكس من ذلك أنها أعمال متطرفة ومرفوضة هي الأخرى، علاوة على أنها مساهمة مجانية في الإساءة إلى المسلمين أكثر من غيرهم، وإظهارهم على أنهم «إرهابيين» و«قتلة» و«معادين» لحرية الرأي التي تحججت بها الصحيفة.

مع تأكيد حرية الرأي واحترام الرأي والرأي الآخر إلا أن هذه الحرية، التي يجب التمسك بها واحترامها، يجب أن تحافظ على مبادئها الجوهرية وقيمها الجوهرية, وفي مقدمتها أن تكون أداة للبناء وليس معولا للهدم والتدمير، وأن تضع في الاعتبار احترام العديد من خصوصيات الآخرين، فالتعرض إلى شخصية بقيمة ومكانة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) لدى مئات الملايين من المسلمين في شتى أنحاء العالم، لا علاقة له بحرية الرأي ولا باحترام رأي الآخرين، بل هو استخدام لهذه الحرية في الحط من كرامة الآخرين وإهانة مقدساتهم ورموزهم ومشاعرهم. 

فهذه الجريدة أو غيرها من الصحف التي يجب أن تكون حاملة للواء حرية الرأي واحترام الرأي الآخر وتدافع عنها بشتى القوى والوسائل، نقول ان هذه المؤسسات لا تستطيع ولا تجرأ على النطق وتسطير كلمة شك واحدة تبرر جرائم النازية ضد اليهود، مثلا في الحرب العالمية الثانية، لأنها ستتجرجر إلى قاعات المحاكم تحت تهمة «معاداة السامية»، هذا مجرد مثال لتأكيد أن حرية الرأي لا تعني التعدي على حريات وخصوصيات الآخرين ومشاعرهم العرقية والدينية، وإلا تحولت هذه الحرية إلى معول هدم وأداة لتصفية الحسابات الدينية والآيديولوجية وغيرها من الاختلافات والخلافات.

تصرف هذه الجريدة لا يتماشى ولا ينسجم مع المبادئ العلمانية البناءة التي أرستها الثورة الفرنسية وفي مقدمتها احترام معتقدات الجميع وعدم تبرير أي شكل من أشكال الاعتداء على المعتقدات الدينية والعرقية للآخرين، فهذه الصحيفة تدري وتعرف تمام المعرفة المكانة التي يحتلها النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) لدى عموم المسلمين، بل وغير المسلمين أيضا، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن المجتمعات في ظروف انفلات التطرف الديني وصعود الأفكار العنصرية والشوفينية ليست بحاجة إلى سكب المزيد من الزيت على النار المشتعلة في هذه المجتمعات، بل على العكس من ذلك فهي بحاجة إلى من يعمل ويشارك في إخماد هذه التوترات والمساهمة في لجم صعود الأفكار التي تغذي التطرف وتزرع بذور الإرهاب.

المؤسسات الصحفية والإعلامية والثقافية تعتبر بمثابة حاضنات للأفكار البناءة، فيجب أن تكون أدوات بناء، بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى، وما قامت به صحيفة «شارلي إيبدو» الفرنسية عام 2015 وما أعادت تكراره قبل عدة أيام يتنافى مع الدور الذي يجب أن تؤديه مثل هذه المؤسسات، ذلك أن الإساءة إلى معتقدات ومقدسات الآخرين، علاوة على أنها لا تمت بصلة لحرية الرأي واحترام الرأي والرأي الآخر، فإن مثل هذا العمل يتناقض مع دور ومهمة المؤسسات الفكرية والثقافية.

فالإساءة إلى الرموز الدينية لدى مختلف الأديان والطوائف لن تزعزع المكانة التي تحتلها هذه الرموز في قلوب أتباعها والمؤمنين بأفكارها، وفي الوقت نفسه لن تخدم الإساءة حرية الرأي والمعتقد، بل على العكس من ذلك من شأن الإساءة أن تزيد الشقاق بين طوائف المجتمع المختلفة وتغذي النزعات المتطرفة، وتدفع إلى المزيد من التطرف الديني الذي لن يخدم أي طائفة من طوائف المجتمع، وسوف تسيء إلى حرية التعبير وتخرجها من سياقها الهادف إلى البناء ونشر قيم التسامح والإخاء بين الجميع.

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news