العدد : ١٥٥٥١ - الثلاثاء ٢٠ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٥١ - الثلاثاء ٢٠ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

حديث القلب

حامد عزت الصياد

عاشوراء الحدث

الأسبوع الماضي كان مليئا بالأحداث، أبرزها على الإطلاق نجاة سيدنا «موسى» عليه السلام وقومه من بطش فرعون وجنوده.

أولا.. في «العاشر من محرم»، وهو يوم اصطلح على تسميته أهل العلم بذكرى «عاشوراء»، حين استنفد «موسى» وأخوه «هارون» كل السبل الدبلوماسية في دعوة «فرعون» إلى الإيمان بالله الواحد الأحد، وأن يتوقف عن الادعاء بالألوهية، ويقلع عن ظلم الناس، ويتوقف عن البغي والعدوان، لكن «فرعون» تمادى في الضلال والعناد، وصار مضرب الأمثال في تذبيح الأبناء، واستحياء النساء، والسخرة، وسوء العذاب، والفحشاء، وسفك الدماء، وجعلها مع «موسى» وأخيه «هارون» عليهما السلام، قضية صراع على الأرض والجغرافيا التي يبسط عليها فرعون نفوذه، وحين هزمه موسى «يوم الزينة» وأخزاه الله أمام الملأ من قومه، واستشعر حقارته وصغر حجمه، ولم يعد يدري ماذا يفعل!، قال لموسى في الآية 57 من سورة طه «قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى».

مقاصد هذا القول من فرعون يتبين منها الآتي:

(1) ابتعاد «فرعون» عن التمحور الفردي بنسج شباك الحيلة ليقنع بها السحرة والكهنة والجماهير بالانصراف عن «موسى»، والانضواء تحت لوائه المانح للحياة، فهو بحسب وصفه مصدر ألوية الفراعنة والكهنة منذ عهد «أمون» واتحاده مع «رع الشمس»، ويطلب من قومه اتباعه، وتصديق قوله، حيث يرى «موسى» نقطة سوداء أمام عينه، وأن ما جاء به من معجزات ما هو إلا محض تمويه وسحر.. 

(2) استفاض «فرعون» شرحا، بأن «موسى» استعمل التمويه بالسحر ليفرق بين جموع الشعب، وأنه وأخيه «هارون» مصدر إزعاج وخطر على الأمن، بينما تعيشون أنتم تحت كنفي ورعايتي في وحدة وترابط وانسجام، ولا اسمح لأحد أبدا أن يبث بينكم روح الكراهية، أو تسود مشاعر التعصب، أو التفريق بين أحبابكم كما أرادها الأخوان.

(3) وفاء بحق شعبه، استطاع «فرعون» من وجهة نظره، أن ينهض بالواجب الكبير كملك، فأخبرهم زورا وكذبا أنه قضى على تيارات التعصب التي حملتها ألواح «موسى» والتعاليم التي جاء فيها لدعوته إلى إله واحد أحد، بينما ترى جماهير الشعب بأن له ملك مصر، وأن هذه الأنهار تجري من تحته، ويراعي عقائدهم، ويحترم مشاعرهم، وأبان لهم في وضوح وإنصاف أن ما قام به من إنجازات على مدى سنوات حكمه وهيمنته عليهم، هي مساهمة منه في خدمة الحضارة الإنسانية سيذكرها التاريخ لأهل مصر لاحقا.

(4) قال لهم أيضا، أضع اللوم عليكم، وأحملكم المسؤولية لأنكم منعتموني من قتل «موسى» حين استشرتكم وقلت لكم «ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أو أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ» (26) غافر.

(5) أبرز «فرعون» دور جموع مواطنيه بالابتعاد عن العاطفة الجامحة لاتباع نهج «موسى» الذي سحر أعينهم، والتركيز على النهج الإمبراطوري الفرعوني المتسلط، وقد استخف قومه فأطاعوه، وقال لهم، لقد عشتم في كنفي منعمين ردحا من الزمن، لا ينقصكم قمح ولا شعير ولا حنطة ولا فاكهة، وسخرت لكم جميع الأجهزة الإدارية في مملكتي الممتدة من القرن الإفريقي حتى قبرص شمال البحر المتوسط، لتهتم بشؤون حياتكم ورفاهيتكم، بل تبع ذلك اهتمامي الشخصي بإلحاح خاص من طرفي، ورعاية خاصة من جانبي. 

(6) وصف السحر الذي جاء على لسان «فرعون» في الآية الكريمة، «قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى» هو استباق للأحداث كي يقلل من شأن الحدث والاستخفاف به أمام الجماهير المحتشدة، وتنبيه للناس أن ما جاء به «موسى» لا يعدو مجرد كونه سحرا، وتحميل موسى المسؤولية ببث روح الفرقة بين الناس، ودعوتهم للانفصال عن المملكة الفرعونية، بإنشاء إقليم مستقل.

ثانيا.. عاشوراء هي أيضا قضية إيمان وتمحيص للمؤمنين الذين عبر بهم «موسى» إلى بر الأمان في الضفة الأخرى من البحر الأحمر، وهلاك «فرعون وجنوده» غرقا، بعدما أوحى الله إلى «موسى» أن يستدرجهم إليه، وحدثت المعجزة الكبرى بأمر الله تعالى، فانفلق البحر من عصا النبي الكريم إلى طودين، ليعبر قومه بأمان وسلام إلى جزيرة العرب.

إقرأ أيضا لـ"حامد عزت الصياد"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news