العدد : ١٥٥٥١ - الثلاثاء ٢٠ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٥١ - الثلاثاء ٢٠ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

اطلالة

هالة كمال الدين

halakamal99@hotmail.com

مرض العصر الحيواني

منذ أيام قلائل احتفل العالم باليوم العالمي للعمل الإنساني والذي يصادف 19 أغسطس من كل عام، وذلك تزامنا مع ما يمر به من جائحة فرضت علينا ظروفا نفسية وصحية قاسية بل مميتة، وخلال تلك الأيام القلائل أيضا برزت على الساحة أفعال وحشية حيوانية بشكل لافت للنظر وكأننا نحتفل في ذات الوقت باليوم العالمي للوحشية!

فها هما شابان يستغلان إعاقة شاب لإرهابه بواسطة كلب شرس في أحد أحياء القاهرة، ولم يرحما توسلاته، والدافع تصوير مقطع فيديو ونشره عبر موقع تيك توك الرذيل، وهو ما كشف عنه رواد وسائل التواصل الاجتماعي من أصحاب القلوب الرحيمة حيث تم ضبط المتهمين، الذين أمر النائب العام بحبسهم بسبب تعريض حياة هذا المسكين للخطر.

وفي الجانب الآخر شاهدنا جميعا عملية تعذيب وحشية للطفلة أمينة التي تبلغ من العمر تسع سنوات من قبل مخدوميها اللذين تعمل لديهما، وتسببا في إصابتها بحروق من الدرجة الأولي بنسبة 70%، بعد القاء مادة الكلور علي جسدها، هذا فضلا عن قطع الزوجان لأجزاء من أذنها بآلة حادة لتأخرها في تنفيذ طلباتهما أحيانا، وقص شعرها وإطفاء السجائر في مناطق حساسة من جسدها، وهي ترقد حاليا بالمستشفى في حالة سيئة، وقد تم القاء القبض علي مرتكبي هذه الجريمة ويجري التحقيق معهما.

وقد تزامن ذلك مع وقوع حادث ما أطلق عليه «طفل العجانة» لا يقل ألما ووجعا عما سبق، وهو قيام أحد أصحاب المخابز بالقاهرة بإلقاء طفل بالعجانة، الأمر الذي أدى إلى إصابته بتشوهات خلقية ونفسية عصيبة، وقد تدخلت وزيرة الصحة وتكفلت بعلاجه على نفقة الدولة.

وهذا طفل يذبح ابن عمه بسبب طائرة ورقية، وذاك عميد لكلية التربية يسرب الامتحان مقابل رشوة جنسية، وهي أرخص أنواع الابتزاز الإنساني والمصيبة أنه يأتي من شخصية يفترض أنها مسؤولة عن تنشئة الأجيال، وغيره وغيره من الوقائع البشعة المؤسفة التي تقشعر لها الأبدان، والتي لو أسهبنا في رصدها لتحول معها هذا المقال إلى صفحة حوادث، تتفوق فيها وحشية الإنسان على وحشية الحيوان، لذلك ليس من المستغرب أن يطلق البعض على هذه الأفعال الشنيعة «مرض العصر الحيواني!»

اليوم اختلفت طبيعة الجرائم وشكلها، وما ذكرناه سالفا إنما يمثل نقطة في بحر، فالمجتمع توحش، والظروف توحشت، والضغوط توحشت، وبات العلماء يطلقون على عصرنا «عصر القلق»، فماذا حدث لنا؟ وأين ذهبت إنسانيتنا؟

إن مثل هذه الجرائم الوحشية إنما تتطلب وقفة بحثية جادة للكشف عن التهديدات التي باتت تشكل خطرا علي الأمن الصحي النفسي، فلا يجب أن تمر علينا مرور الكرام، لأن تفاقمها قد يحول بعض المجتمعات إلى بيئات تعتريها مشاعر الحقد والظلم والكراهية، وهي أمراض تتفوق في خطورتها علي تبعات فيروس كورونا وأمثاله، لأنها بالفعل تجعلنا نقع تحت وطأة جوائج من نوع آخر أقسى وأبشع.

لذلك نعود ونكرر ونؤكد على أهمية الصحة النفسية، التي لم تعد مجرد انعدام للاضطرابات النفسية، بل تندرج تحت هذا المفهوم كيفية مساعدة الأفراد على فهم ذاتهم بشكل سوي، كي يتوافقوا مع أنفسهم، ومع الآخرين، ليصبحوا راضين عنها، بعيدا عن التوترات والصراعات والاكتئاب، وذلك من أجل استقرار المجتمعات، وأمن وأمان وسعادة أفرادها.

لقد بات على الدول اليوم, حتى وإن جاء ذلك متأخرا، إدراج الصحة النفسية ضمن برامجها وسياساتها وميزانياتها، ووضع خطط واستراتيجيات لتحقيق أهداف وغايات محددة في هذا الصدد، فليس هناك مجتمع معصوم من المشكلات النفسية، ولكن هناك مجتمع قادر على الوقاية منها، ومواجهتها، وعلاجها!!

إقرأ أيضا لـ"هالة كمال الدين"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news