العدد : ١٥٥٥١ - الثلاثاء ٢٠ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٥١ - الثلاثاء ٢٠ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

حديث القلب

حامد عزت الصياد

للمتقاعد رب يحميه

‏‎«يرى الإنسان نفسه عجوزا حينما ينظر لأشخاص من نفس عمره يتراكضون في ربيعِ الحياة يملؤهم الشغف، بينما يرى نفسه، منطفئ جدا».

لم أعرف لهذه الجملة صاحبا حتى الآن، ولم أعد أذكر بالضبط في أي الكتب مرت هذه العبارة على أخيكم «حامد»، وليس غريبا أن أرددها الآن بيني وبين نفسي، وأحفر منها شعاعا ليزريا في سهول الذاكرة، بينما محيت أدواتها باليد التي حملت هذا الشعاع، حين بلغ صاحبكم سن التقاعد.

في البداية، داهمتني غفوة الإحباط حين كانت لدي فكرة خاطئة عن التقاعد، واعتقدت جازما أن قطار العمر توقف نهائيا في رصيف الحياة، فالشعور الذي تسرب إلى نفسي قبل التقاعد بسنتين كان مخيفا، رغم حضوري ورشة عمل هيأتني مع المقبلين للتقاعد لتوضيح طبيعة المرحلة المقبلة، واستخلصت من المحاضرين الكثير من الأمور والمشاكل المتوقعة، وتعلمت منهم الأساليب التي يمكن الاستعانة بها لمواجهة الصعوبات في المستقبل، وكيفية الاستفادة من الجوانب الإيجابية في المرحلة الجديدة، وكيفية قضاء الوقت فيما هو نافع ومفيد.

مع كل هذه الثوابت عن التقاعد، ظلت هذه المعادلة المرسومة بحكم القانون، تصارعها ثورة هائلة في نفسي، لكنها خامدة بكيمياء اللون، لا تستطيع تقبل الفكرة من الأساس، وأنا الذي قضيت عمري في البحث والدراسة والتنقيب والإطلاع والقراءة وتمددت بين أكوام الكتب، ونفضت الغبار عنها، ومسحت أرففها بثيابي ويداي، وقليل متواضع خطه صرير القلم في ساحة الحياة، وأن الجلوس في البيت يستعدي علينا المرض، ولا تقبل النفس أن تستسلم هكذا بسهولة، أو تقودها هذه النهاية المؤلمة إلى المشافي والتحسر على ما فات، ومداهمات المرض، ودهاليز غرف الطوارئ، والعمليات الجراحية، والاستسلام لمبضع الجراح، وتعاطي الأدوية مدى الحياة.

رغم معرفتي المسبقة بمعنى التقاعد، فإن المحبطون من أمثالي بفكرة التقاعد وجدوا أنفسهم فجأة مطالبين بتغيير نمط حياتهم دون سابق إعداد واستقبال عالم جديد، رغم أن من هم في نفس عمري، لا توجد لديهم هذه الفكرة بشكلها الراهن، بل أراهم سعداء يقفزون كالعصافير، ويتطايرون كالفراشات، ويتناغمون كالنحل، ويستمتعون بأنواع مختلفة من الفعاليات والأنشطة، بل وينافسون الشباب على ركوب البحر، والصيد في البر، وكثرة الترحال بالطائرات من بلد إلى بلد، ولا يريدون لحياتهم أن تنتهي.

قابلت الكثير فيمن تقاعد مبكرا لكنه لم يتوقف عن العمل والنشاط، بل ابتكر لنفسه أعمالا وأنشطة بعد التقاعد استغرقت وقته وجهده، وفسر لنا كيف يكون الإبداع والكشف عن الابتكار في تراكيب رياضية تحمل الإلهام، والتقيت مع من تقاعد بحكم القانون، لكنه كان نشيطا قبل التقاعد وظل كذلك بعد التقاعد، بينما الشخص المحدود العلاقات منهم في مرحلة ما قبل التقاعد ظل بعدها أيضا كذلك، وتحاورت مع فئات متعددة من المتقاعدين يختلفون عني في رؤيتهم عن مرحلة التقاعد.

إعادة تكييف حياة المتقاعد من جديد هي من أخطر المراحل التي يمر بها على الإطلاق، فالمتقاعد يقع بين مطرقة الضجر وسندان التهرب من المسئولية، فبعد أن كان محاطا بالاهتمامات والاجتماعات واللقاءات قبل التقاعد، وفجأة وجد نفسه في المنزل وانفض من حوله الجميع، ولا يدري ماذا يفعل، فينتقد أولاده ويتدخل في أمور لا تعنيه، اللهم إلا إذا كانت لدى أبنائه تجارة ومشاريع فينخرط فيها حتى لا يشعر باليأس والملل.

شعور المتقاعد بأن له قيمة في الحياة هي المكارم العظيمة، وحين يمارس حياة مفيدة منتجة تكون من أعظم أسباب التيسير والبركة، وهو شعور فيزيائي يتفاعل في النفس كمختبر تجارب أراه عندي كدعوة تمرد على كل ألوان الضجر والإحباط التي صاغتها الظروف المحيطة بفكرة التقاعد، ولكني أرى التقاعد في نفسي شعلة من الثورة يحملها القلم وتنبسط لها ساحات الورق بامتداد سطح الكوكب، بهدف الخروج على التحنيط أو محاولة تجاوزه. 

في الختام، للمتقاعد رب يحميه، وحقوق المتقاعدين وكبار السن ومنزلتهم ومكانتهم واحترامهم وإجلالهم وقضاء حوائجهم هي سنة من سنن الإسلام المؤكدة، وهم في معظم دول العالم لديهم مراكز تدريب وخاصة بالمتقاعدين وكبار السن، وتوفير برامج ومهن وأنشطة وهوايات مختلفة يتنفس من خلالها المتقاعد أو كبير السن كي يمارس دورا إيجابيا يشعره بذاته وقيمته، ويمارس عملا جديدا يشغل وقت فراغه ويكون مصدرا لمزيد من الدخل كل شهر.

يا جماعة الخير، «البركة مع أكابركم»، صدق رسول الله.

إقرأ أيضا لـ"حامد عزت الصياد"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news