العدد : ١٥٥٢١ - الأحد ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٣ صفر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٢١ - الأحد ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٣ صفر ١٤٤٢هـ

الاسلامي

تأملات إيمانية في آيات القرآن الكريم
قوانين الحروب في الإسلام عبادة (1)

الجمعة ١٤ ٢٠٢٠ - 02:00

بقلم: د. محمد عطا مدني

تدور صراعات وحروب اليوم في بلدان عربية عديدة، ويشارك فيها مقاتلون مسلمون، ومبدئيا لا يجوز ذلك إلا إذا بغت طائفة ما -استقوت بطريقة معينة- على طائفة أخرى ضعيفة وعاثت فسادا في البلاد، وهنا يجب محاربة هذه الطائفة حتى تعود إلى الحق والعدل، وقد جاء ذلك تفصيلا في محكم آياته الكريمات في قوله تعالى: «وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُواْ الَّتِى تَبْغِى حَتَّى تَفِىءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُواْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ» (الحجرات-9). وهنا يتضح أن الشريعة الإسلامية قد أباحت قتال فئة مسلمة لأخرى في حالة البغي فقط، أي ظلم فئة قوية لفئة ضعيفة، بشرط استنفاد كل جهود الصلح بينهما أولا. وبعد قتال الفئة الباغية يعود الفرقاء إلى الصلح مرة أخرى حتى لا يتجدد القتال. والأكثر مرارة في حروب اليوم بين الفرق الإسلامية، هو التشفي من جنود الخصوم، وقتلهم بأبشع الطرق، وقتل الأسرى والنساء والأطفال، وهدم المنازل والمرافق، وترك المواطنين يعيشون في العراء في الحر القائظ، والبرد القارس، في مخيمات تفتقر إلى أدنى الخدمات الإنسانية. لقد وضع الإسلام قوانين للحروب قبل أن تتولى الأمم المتحدة ذلك بألف وأربعمائة عام، ولا تزال قوانين الإسلام في هذا المجال أكثر القوانين إنسانية وكمالا وشمولية من القوانين الوضعية بشأن الحروب، مع العلم بأن هذه القوانين الإسلامية تشمل الحروب مع الأعداء الذين يضمرون الشر للمسلمين، وكذلك الفئات المتحاربة من المسلمين التي تنشأ بينها خلافات معينة. ولقد تنبه علماء القانون في الغرب لعظمة وإنسانية الشريعة الإسلامية في زمن الحروب، ومعرفتها الدقيقة بحاجات الأفراد والمجتمعات أثناء الظروف الصعبة التي تفرض على المتحاربين أحيانا لأسباب شتى، فتقع الحرب رغما عنهم، فتم الاعتراف بالشريعة الإسلامية كمصدر عالمي للتشريع والقانون في عدد من المؤتمرات الدولية القانونية منذ عام 1899م، كما أوردها القانوني الدكتور السيد  مصطفى أبو الخير، منها:

1/ مؤتمر لاهاي الأول عام 1899 ومؤتمر لاهاي الثاني عام 1907، حيث عقدت اتفاقيتان علاوة على اتفاقية جنيف، وهما من أول النصوص الرسمية المنظمة لقوانين الحرب وجرائم الحرب في القانون الدولي.

2/ مؤتمر القانون المقارن الدولي في لاهاي، هولاندا، عام 1932م.

3/ مؤتمر لاهاي المنعقد عام 1937م.

4/ مؤتمر القانون المقارن المنعقد في لاهاي عام 1938م.

5/ المؤتمر القانوني الدولي المنعقد بواشنطن عام 1945م.

6/ مؤتمر شعبة الحقوق بالمجمع الدولي للقانون الدولي المنعقد بباريس عام 1951م.

وقد صدرت عن هذه المؤتمرات قرارات مهمة منها:

أ/  اعتبار التشريع الإسلامي مصدرا رابعا لمقارنة الشرائع.

ب/ اعتبار الشريعة الإسلامية قائمة بذاتها، ولا تمت إلى الشرائع الغربية بصلة.

ج/ صلاحية الفقه الإسلامي لجميع الأزمنة والأمكنة.

د/ تمثيل الشريعة الإسلامية في القضاء الدولي وفى محكمة العدل الدولية.

ومن الجدير بالذكر أن الفقيه الفرنسي القانوني (لامبيرEdward M. Lambert)، قد أشار في مؤتمر لاهاي عام 1932م، إلى تقديره الكبير للتشريع الإسلامي وخاصة في مجال الحروب، وقال أنها لا تقل في رقيها وشمولها وفى مسايرتها للتطور، عن آخر النظريات الفقهية والتشريعية التي يؤمن بها المجتمع الغربي. ومنذ ذلك التاريخ، أوائل القرن العشرين حتى الآن، أفاض فقهاء الشريعة الإسلامية في شرح وبيان وترتيب قواعد وأحكام القانون الإسلامي الواردة في القرآن الكريم، والأحاديث النبوية، والسيرة النبوية المشرفة، وسيرة الخلفاء الراشدين، ومن تبعهم وسار على نهجهم. فيما يخص الحروب وتبعاتها.  وفي الواقع، فإن العديد من القيود التي تفرضها الشريعة الإسلامية على المقاتلين في الحروب، تتجاوز ما هو مطلوب بموجب القانون الدولي، وعندما نظمت (هيومان رايتس ووتش) لقاءات مع قادة المجتمع المدني في العالم الإسلامي لمناقشة حماية المدنيين، ذكرت أنها لم تواجه أقوالا تدعي أن الشريعة الإسلامية تتبع معايير مختلفة، كما قال (جو ستورك)، نائب مدير قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المنظمة، بل كانوا يؤكدون جميعا التطابق بين القانون الدولي والشريعة الإسلامية التي سبقته بألف وأربعمائة سنة. بل لاحظوا أن القانون الدولي في هذا الشأن قد تأخر كثيرا في اهتمامه بمسألة الحروب، حيث تم ذلك في القرن الماضي فقط، بعد أن ذاقت البشرية  مرارة الحروب التي قتل فيها ملايين البشر، فقد تم إقرار ضوابط الحروب في معاهدات جنيف الأربعة عام 1949م، والبروتوكولين الإضافيين لهما عام 1977م، وظلت هذه الضوابط  حبرا على ورق، وركزت فقط على حماية المدنيين والأسرى وقت الحروب، من دون أن تضع قوانين معينة لحل المشكلات من جذورها سلميا عن طريق الصلح، مثلما فعلت القوانين الإسلامية. وقد مر تحريم الحرب في القانون الدولي بمسيرة طويلة جدا، فانتقل من الإباحة إلى التقييد ثم التحريم بفضل المادة (2/4) من ميثاق الأمم المتحدة، كما أن الحرب الدفاعية التي أقرها الإسلام، لم يصل إليها القانون الدولي إلا من خلال ميثاق الأمم المتحدة عام 1945م في المادة (51)، كما تأخر في إعلان حق الحياة للإنسان، والتي نص عليها في المادة السادسة الفقرة الأولى من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966م، والتي نصت على: «لكل إنسان الحق الطبيعي في الحياة، ويحمى القانون هذا الحق، ولا يجوز حرمان أي شخص من حياته بشكل تعسفي)، وجاءت المادة الأولى من الإعلان الدولي بشأن النساء والأطفال في حالات النزاعات المسلحة لعام 1974م، واتفاقية مناهضة التعذيب لعام 1984م، والمادة السادسة من اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989م، بينما أحاط القانون الإسلامي للحروب الحياة الإنسانية بكاملها بالحماية، منذ اللحظات الأولى في حياة الإنسان حتى مماته. وسوف نستعرض في المقالات التالية، بعض المبادئ الأساسية للقانون الإسلامي وقت الحروب، لنعرف هل يمكن عند التطبيق على أرض الواقع، اعتبار هذه القوانين (عبادة) يتقرب الفرد المؤمن بها إلى الله سبحانه وتعالى؟   

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news