العدد : ١٥٥٢٨ - الأحد ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٠ صفر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٢٨ - الأحد ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٠ صفر ١٤٤٢هـ

خاطرة

عبدالرحمن فلاح

بلاء البلاء!!

كل الأمور تبدأ صغيرة وتكبر إلا المصائب تبدأ كبيرة وتصغر، والبلاء في أي شيء، في الأهل والولد والمال يبدأ كبيرًا لا يتحمله المسلم، وقد يؤدي به إلى القنوط الذي حذر منه الحق سبحانه وتعالى عباده المؤمنين، فقال: ‭{‬قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا إنه هو الغفور الرحيم‭}‬ الزمر/53.

حتى هذا العبد الذي قد يؤدي به الإسراف في لوم نفسه وتقريعها، قد يصل به هذا إلى درجة اليأس، فإن الحق سبحانه وتعالى يطمئنه على نفسه، ويهون عليه مصابه، فالمفروض ألا يتوقف الإحساس بالبلاء عند درجة معينة فقط، بل يتناقص هذا الإحساس حتى يكون مجرد ذكرى في الذاكرة، وأن يتحول هذا البلاء إلى تجربة ترفد إيمانه، وتقوي يقينه، ويستقبل حياته بتفاؤل متجدد.

إذن، فحين يقع البلاء بالعبد، فبيده أن يحجمه ولا يدعه يتنامى حتى يبلغ درجة لا يمكن احتمالها، فيتجدد البلاء، فيكون بلاءً على البلاء لا يمكن التعايش معه.

كيف يكبر البلاء وينمو بدل أن يصغر حتى يمكن احتماله؟ يكون كذلك إذا لم يستقبله العبد بالرضا والاحتساب، أما إذا استقبله بالسخط وأن يَمُّنَ على مولاه سبحانه بما أتى من طاعات وعمل صالح، وكأن الابتلاء حكرًا على العصاة والمذنبين، ونسي أن أشد الناس بلاءً الأنبياء، وأن المسلم يبتلى على قدر إيمانه كما جاءنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ساعته يكبر الإحساس بالبلاء ولا يصغر، ويدوم ويستمر ولا يقف عند حد، وتستمر مرارة الألم في كل لحظة من لحظات حياته.

والبلاء ليس مقصورًا على المصائب فقط، بل قد يكون البلاء في الخير، يقول سبحانه: ‭{‬ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون‭}‬ (الأنبياء/35)، فسنة الله تعالى في خلقه لن تتخلف ولن تتبدل، وأنه سبحانه يبتليهم بالشر والخير فتنة، والجميع: الصابر والساخط كلهم راجعون إلى الله تعالى، فمن أحسن كما أحسن الله إليه فهو الفائز، وأما من سخط وأعرض بجانبه فأمره إلى الله تعالى.

إذن، فيا أيها العبد الساخط، هل بيدك أن تغير مصيرك بحيث لا يقع لك إلا ما تحب وتهوى، أم أنك عبد ضعيف مهما شعرت بالقوة والاستغناء بأهلك وولدك ومالك؟!

إنك أيها العبد، عندما أعلنت ولاءك لخالقك سبحانه، ووضعت حياتك ومقاديرها بين يديه سبحانه، فهذا من حسن طالعك، وصحيح إيمانك، لأنك توكلت على الحي الذي لا يموت، وعلى القادر الذي لا يعجز، وعلى الغني الذي لا يفتقر.

إن حقيقة إيمانك تتجلى في شعورك بالاطمئنان، فإذا لم يتحقق هذا الشعور، فعليك مراجعة إيمانك أو زعمك بأنك مؤمن كامل الإيمان، يقول سبحانه وتعالى: ‭{‬الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب‭}‬ (الرعد/28).

واعلم أيها العبد المبتلى، كما أن في البلاء عطاء، فإن في العطاء بلاء أيضًا ‭{‬... ونبلوكم بالشر والخير فتنة‭}‬ الآية. وأن كأس البلاء نصفه حلو ونصفه مُرّ، فإذا أحسنت الظن بخالقك سبحانه شعرت بحلاوة الكأس، وإذا أسأت الظن -ونعوذ بالله من ذلك- فإنك سوف تجد مرارة الكأس لا تحتمل، وهذا هو بلاء البلاء الذي حذرناك منه!

إقرأ أيضا لـ"عبدالرحمن فلاح"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news