العدد : ١٥٥٢٨ - الأحد ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٠ صفر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٢٨ - الأحد ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٠ صفر ١٤٤٢هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

ومن الجَمَال ما هو قَتّال

إليكم اليوم الحكاية الأليمة لـ«سولانغ ماغنانو» التي راحت فيها وتوفيت وهي في زهرة العمر، وبكاها الملايين في بلدها الأرجنتين. وكانت سولانغ هذه تحفة فنية بديعة وتقاطيع وجهها وتضاريس جسمها تلف حتى أعناق الرجال الذين تجاوزوا الثمانين، وكانت قد فازت بلقب ملكة جمال إقليمها ثلاث مرات ثم لعموم دولة الأرجنتين، ولأن – في تقديري الشخصي على الأقل – من يشاركن في مثل تلك المسابقات بلهاوات، لأنهن لا يمانعن في أن تتعرض أجسادهن للفحص الفني وقياسات محيط الصدر والردف والخصر، فقد ماتت سولانغ ضحية تلك البلاهة.

في عموم دول أمريكا الجنوبية وبالأخص في البرازيل والأرجنتين تجرى جراحات التجميل بأسعار زهيدة للغاية، وقد صار من المألوف في الغرب ان يخضع الرجال والنساء الذين يملكون المال اللازم لجراحات لتغيير شكل الأنف أو إزالة التجاعيد أو تكبير أو تصغير النهود والأرداف، ولكن سولانغ البلهاء لم تكن تعاني من مشكلة التجاعيد في الوجه بل ظلت حتى وفاتها تتصدر أغلفة مجلات الجمال والموضة، ولكن ولأنها عبيطة كما أسلفنا، فقد «طلعت في دماغها» حكاية أنها «ملكة» جمال، فظلت مهووسة بشكل جسمها وتقف يوميا أمام عدد من المرايات المتقابلة لإلقاء نظرة على كل مليمتر مربع من جسمها، للبحث عن مؤشرات الجفاف والتصحر التي يعرف كل إنسان عاقل أنها حتمية بمرور الزمن، وبحكم شهرتها فقد نجحت سولانغ في إنشاء وكالة لاكتشاف عارضات الأزياء، ولاحظت أن الفتيات اللواتي يأتين إلى الوكالة يتفوقن عليها في النواحي البيولوجية والفسيولوجية والتضاريس والمقاييس، وأتعس الناس من يقارن حاله بحال غيره ويصاب بالحسرة على نفسه، أي لا يقنع بما عنده من مال أو جمال أو وظيفة أو مكانة، فتجد هناك من يقول: أنا كنت أول دفعتي، وأتقاضى راتبا قدره 6000 بينما فلان الجربان التعبان الذي هرب من المدرسة يتقاضى 36 ألفا ولديه سيارتان وثلاث زوجات إحداهن «فُل أتوماتيك». أو شخص في الستين يلتقي بشبان في العشرينات في مصعد كهربائي وينظر إليهم ثم ينظر إلى نفسه في المرآة لتحديد المواقع التي تأثرت بالجفاف والتصحر ويهمهم: هيه راحت علينا.

ظلت سولانغ حتى يوم وفاتها من أجمل حسناوات أمريكا اللاتينية، ولكن – وكما أسلفت – فإن الشخص الذي ينظر إلى ما عند غيره فيصاب بالحسد بدلا من أن يحمد ربه على كل حال، لا بد أن يزل ويسقط نفسيا على الأقل، وهكذا زلت سولانغ وسقطت في القبر، بعد خضوعها لجراحة تجميل. وكانت حتى يوم دخولها المستشفى راضية عن وجهها وعنقها وخصرها وصدرها.. ولكنها لم تكن سعيدة باستدارة ردفيها (لا أحب الكلام أو الكتابة عن هذه المنطقة ولكن هذه وقائع ثابتة).. ذهبت إلى طبيب التجميل وقالت إنها تريد أردافا مكورة مثل أرداف جنيفر لوبيز المطربة الأمريكية اللاتينية الأصل، والتي فازت في إحدى منافسات القوادة التي تعقد تحت مسميات مثل «ملكة الجمال» بلقب صاحبة أجمل ردفين (بالمناسبة فإننا نسمع بمسابقات لأجمل عينين وأجمل شفتين وأجمل أنف، وأطول شعر، فلماذا لا نسمع بمنافسات لاختيار صاحبة أجمل أُذنين؟).. وما لا يعرفه الكثيرون هو أن جراحة التجميل سائبة مقارنة بالجراحات الأخرى، أي أن الضوابط التي تنظمها إما مرنة وإما معدومة، لأن تقدير الأمور يخضع لمهارات وخبرات كل جراح ولا توجد أساليب معيارية قياسية تضبط كيفية إجراء جراحة معينة، بمعنى أن كل شيخ (جراح) له طريقة، وتصعب محاسبته في حال أخطأ.

وهكذا دخلت سولانغ غرفة العمليات وقام الجراح بتشريط مؤخرتها في كذا موضع.. يشفط شحما ولحما من هنا، ويحقن موضعا آخر بالسليكون، ويرصف ذلك الجزء بالسيراميك. وكل شوية يأتي بمسطرة قماشية لقياس محيط هذه المنطقة أو تلك.. ثم لملم اللحم المبعثر مستخدما اللحام الطبي وقال لسولانغ «هُبِّي». ولكنها وبدلا من أن تهب طبّت ساكتة وماتت.. وبتعبير أدق.. انتحرت.

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news