العدد : ١٥٥٢٤ - الأربعاء ٢٣ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٦ صفر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٢٤ - الأربعاء ٢٣ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٦ صفر ١٤٤٢هـ

قضايا و آراء

داج همرشولد ونهايته المأساوية

بقلم: د. جاسم بوعلاي

الثلاثاء ١١ ٢٠٢٠ - 02:00

هو الأمين العام الثاني للأمم المتحدة حيث تولى منصبه عام 1953 لمدة خمس سنوات كفترة أولى ثم جدد له لفترة ثانية كما هو المعتاد كان من المفترض أن تنتهي الفترة الثانية عام 1963 إلا أنه قضى في حادث تحطم الطائرة التي كانت تقله وعددا من معاونيه على حدود الكونغو وذلك في سبتمبر 1961 حيث كان في رحلة تفاوضية ضمن محاولاته لحل أزمة الكونغو في الفترة التي أعقبت استقلال ذلك البلد الإفريقي عن بلجيكا.

كانت حياة همرشولد قصيرة الفترة نسبيا (1905-1961)، حافلة بالأنشطة والإنجازات، فقد حصل على شهادته الجامعية الأولى من جامعة أوبسالا في السويد عام 1925 في العلوم الإنسانية، وكان ميالا إلى الأدب والموسيقى، إلا أن ميولاته العملية تركزت على موضوع الاقتصاد السياسي حيث حصل على شهادات في القانون والاقتصاد وتقلد وظائف تقاسمتها البنوك والحكومة وبصفة رئيسية بنك السويد ووزارة المالية. وقد لفت النظر إلى براعته التفاوضية في مواضيع اقتصادية وطنية كانت أم أوروبية أطل بها على العالم الخارجي.

فتح المجال لهمرشولد في تسلسله الوظيفي للاتصال بوزارة الخارجية بداية كمستشار مالي إلى أن وصل إلى منصب نائب وزير الخارجية لكنه ظل في مجال تخصصه الاقتصادي باشتراكه في اتصالات كثيرة تتعلق بالتعاون الإقليمي والدولي إلى أن عُيّن مندوبا في الأمم المتحدة لفترتين قدمت بعدهما بلاده ترشيحه لمنصب الأمين العام للمنظمة حيث انتخب لفترتين متتاليتين بحسب المتبع، ومع بداية الفترة الأولى أصدر تشريعا لمسؤولي وموظفي الأمانة العامة يحدد فيه مسؤولياتهم الوظيفية في إطار دولي يضمن استقلاليتهم عن أي تأثير وطني يأتي من بلادهم الأصلية. وقد ثبت بعد ذلك من التجربة ضرورة ما ذهب إليه، فقد أصبح ذلك التأثير شبه واقع من جهة التوظيف حيث يسهّل المسؤول الدولي عملية توظيف مواطنيه وأدى ذلك كنتيجة حتمية إلى مراعاة الموظف الدولي في الأمانة العامة لمصالح بلاده الوطنية مفضلها على الأولويات الدولية. في بدء مزاولته لعمله كأمين عام للأمم المتحدة بدأ بنفسه في تكريس استقلالية الموظف الدولي حيث باشر عمله بمعزل عن تأثير الدول والمعسكرات والتكتلات سواء من داخل أو خارج المنظمة الدولية كما ابتدع هو طرق عمل نتيجة لذلك تحدث للمرة الأولى، نجح في الإفراج عن الجنود الأمريكيين الأسرى لدى الصين نتيجة الحرب الكورية، وقام بمحاولة للأمم المتحدة لإقناع إسرائيل وفرنسا وبريطانيا بعدم استعمال القوة في حرب السويس عام 1956، وساهم للمرة الأولى في تاريخ المنظمة الدولية في إنشاء قوة الأمم المتحدة للطوارئ (اليونف) كما أنشأ مجموعة الأمم المتحدة للمراقبة في لبنان والأردن لتحل محل القوة البريطانية والأمريكية التي أقنعها بالانسحاب من هناك، كما أرسل مندوبًا عنه إلى جنوب شرق آسيا لحل المشاكل التي طرأت على العلاقات بين كمبوديا وتايلاند وكذلك لمراقبة الوضع في لاوس، والحصيلة أنه استطاع عبر قارات العالم (ثلاث من الخمس) أن يسجل حضورًا دوليًا للأمم المتحدة في صورة جنود ومراقبين ليساهموا في حل المشاكل الدولية، ويبقى القول إن نجاح أو فشل هذه المساعي لهمر شولد مرهون بقناعة والتزام الدول الأعضاء بها، لكن الرجل وجد لها مكانًا شبه دائم لم يكن موجودًا من قبل، وسيأتي الكلام لاحقا عن الجو السياسي التأثيري الذي كان سائدًا خلال فترة عمل همر شولد والتأثير الذي أوجده هو مستفيدًا من ذلك الجو.

في فترة تكريس حضور واقعي للأمم المتحدة بواسطة همر شولد صادف حصول عدد من دول العالم على استقلالها من مستعمريها، وهذا ما ساعد كثيرًا على وجود ذلك الحضور الدولي، لكن ذلك ألقى بتبعات وتحديات لم تعهدها المنظمة الدولية من قبل وبعضها كان له ثمن باهظ، ومن تلك الدول كنتيجة لذلك ما حصل فيها انقلابات ومحاولات انفصال لبعض أقاليمها حدثت مباشرة بعد الاستقلال، مما أغرى بتدخل لبعض القوى والمعسكرات الخارجية فيها بما في ذلك وعلى رأسها الدول التي استعمرتها، ونسوق في هذا الصدد مثلا معبرًا لذلك وهو الكونغو، ذلك البلد الواقع في وسط إفريقيا والغني بمختلف الثروات الطبيعية، والبلد يعرف اليوم بجمهورية الكونغو الديمقراطية وعاصمتها كنشاسا بعد أن كانت تعرف بليوبولفيل، ويجب ألا يتم الخلط بين هذه وببن كونغو آخر موجود أيضا اليوم ومجاور لهذا البلد وعاصمته برازافيل. حال حصول الكونغو على استقلاله عن بلجيكا عام 1960 اشتعلت الحرب الأهلية التي استمرت خمس سنوات وراح ضحيتها ما يقارب المائة ألف نسمة. كان الصراع يحوم حول مسائل تتعلق بالفيدرالية أو القبلية أو الوطنية كطريقة حكم في البلد المترامي الأطراف، وبدأت القلاقل بانفصال إقليمي كتنجا في الشمال وجنوب كاساي في الجنوب عن الحكومة المركزية ولما رفض همر شولد توفير مساعدة القوات الدولية للأمم المتحدة لقمع الانفصال لجأت الحكومة إلى الاتحاد السوفيتي ثم انعكس الموقف واستطاعت ليوبولفيل القضاء على الانفصاليين بمساعدة قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة على الرغم من مساعدة بعض الدول الغربية ومنها بلجيكا لهم.

شكل نجاح الحكومة المركزية في الحفاظ على وحدة الكونغو الترابية نجاحا ملحوظًا لها وللأمم المتحدة التي ساعدتها في شخص أمينها العام داج همر شولد الذي رأى في الرحلات المكوكية التي قام بها هو ومعاونوه للحفاظ على استقلال ووحدة الكونغو مثلاً حيا وتكريسًا لحضور الأمم المتحدة على أرض الواقع ضمن مهامها السلمية في الحفاظ على السلم والأمن الدوليين وذلك باستقلالية ملحوظة لشخص الأمين العام مع تحقيق نتائج ايجابية في إدارة حفظ السلام والأمن الدوليين.

تبقى مسألة الجو والبيئة السياسية التي ساعدت همر شولد على تحقيق هذه الإنجازات التي تحدث للمرة الأولى في تاريخ المنظمة الدولية، ففي فترة الستينيات كان التنافس على أشده في الحرب الباردة القائمة بين المعسكرين الغربي والشرقي، الأول بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية والثاني بقيادة الاتحاد السوفيتي بحيث ما يقوم به معسكر واحد من تدخل في أي دولة من أعضاء الأمم المتحدة يجد إجراء مناقضًا ومعاكسًا يقوم به المعسكر الآخر، وما أنسب من جو سياسي كهذا يستغله الأمين العام للأمم المتحدة ويستفيد منه ضامنا عدم تأثير أي من المعسكرين فيما يقوم به من وساطات ضرورية لحل المشاكل الناجمة عن مختلف بؤر الصراع التي حدثت في بعض الدول الأعضاء، وقد كان الصراع الكونغولي أكبر وأدق وأكثر تعقيدًا شكل تحديًا لعمل همر شولد وقد دفع ثمنًا باهظًا لذلك هو حياته نفسها، فقد قتل وهو في طريقه للقيام بإحدى الوساطات بين الأطراف المتنازعة.

كانت رحلة عادية ضمن وساطاته الغرض منها العمل مع الحكومة المركزية لتحديد كيفية مواصلة التعاون لإحلال السلام الدائم في الكونغو ضمن الجهود المتواصلة بين الحكومة والأمم المتحدة، وفجأة نمى إلى علمه أن القتال قد اندلع بين القوات الانفصالية في إقليم كتنجا وبين قوات الأمم المتحدة لحفظ السلام والتي هي غير مؤهلة أصلا للقتال وإنما لحفظ السلام بعد الاتفاق على إحلاله بين الأطراف المعنية، فتحولت المهمة من وساطة في طبيعتها إلى عملية إنقاذ حياة جنود عزل، توجهت الطائرة المستأجرة وعليها بوضوح علامة الأمم المتحدة إلى الكونغو في ليل 17 – 18 سبتمبر 1961 وعلى متنها الأمين العام وأربعة عشر من معاونيه وموظفيه، وفي أثناء هبوطها تحطمت الطائرة في أدغال الكونغو على حدود الإقليم الانفصالي كتنجا وما كان يعرف في ذلك الوقت بروديسيا وهي محمية بريطانية، فقتل جميع من كان عليها من الركاب والملاحين، وهكذا قضى الأمين العام السويدي المجتهد والمجدد والنشط نحبه وهو يعمل لحفظ السلام في الكونغو ومن ورائه الأقاليم والدول الأخرى في العالم. قيل إن الحادث نجم عن خطأ للطيار كونه طار على ارتفاع منخفض، لكن نظرية المؤامرة شاركت هنا أيضا في سبب مقتل همر شولد، وإلى عام 2017 والأمم المتحدة تحاول الكشف عما حدث. من جهة أخرى فقد قيل إن عددًا من المرتزقة أسقطوا الطائرة لمنع الأمين العام من القيام بوساطته السلمية، والمرتزقة كما هو معروف لا يصطادون إلا في الماء العكر واحلال السلام يجعلهم عاطلين عن العمل، وعلى أي حال فمن النادر أن تجد أمينًا عامًا يخاطر بحياته ومقتنعًا بنجاعة واستقلالية عمله التوسطي لإحلال السلام في العالم، هذه النجاعة وتلك الاستقلالية فرضتا عليه المخاطرة للوصول إلى نتائج ايجابية، وهذا التصرف ليس بغريب على شخص داج همر شولر فقد قال إنه تعلم من والده أن الحياة ليست لها قيمة إلا إذا امتازت بنكران الذات لخدمة الوطن من جهة والإنسانية من جهة أخرى.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news