العدد : ١٥٥٢٤ - الأربعاء ٢٣ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٦ صفر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٢٤ - الأربعاء ٢٣ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٦ صفر ١٤٤٢هـ

قضايا و آراء

لبنان الجريح يقف في مفترق الطرق

بقلم: د. جيمس زغبي

الثلاثاء ١١ ٢٠٢٠ - 02:00

انتابتني مشاعر متباينة وأنا أشاهد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وهو يتجول في المناطق التي لحق بها دمار عارم في العاصمة اللبنانية بيروت. 

لقد شعرت بالارتياح لأن الرئيس الفرنسي ذهب رأسا إلى موقع الانفجار تعبيرا منه عن احترامه العميق لآلام الشعب اللبناني ولمدينة بيروت المثخنة بأحزانها والمكلومة بأوجاعها بعد ما أصابها من دمار هائل. وفي المقابل فقد شعرت بالسخط لأنه لا أحد من الحكومة اللبنانية قد التحق به في موقع الانفجار. لقد أعجبت أيضا بموقف أولئك اللبنانيين الذي عبروا له عن شكرهم وامتنانهم لأنه أحس بوجعهم وأطلقوا العنان لغضبهم ونقمتهم وسخطهم على القادة اللبنانيين الفاشلين. 

لقد انتابتني مرة أخرى مشاعر متباينة عندما أعلن الرئيس ماكرون أن فرنسا ستنظم مؤتمرا لجمع التبرعات ومساعدة لبنان بشرط تنفيذ الإصلاحات اللازمة على أرض الواقع. فقد قال ما يلي: «سنقترح على اللبنانيين ميثاقا سياسيا جديدا، كما أنني سأعود مرة أخرى إلى بيروت في يوم 1 سبتمبر، وإذا لم تنفذ الإصلاحات فإنني سأتحمل مسؤوليتي السياسية». 

لقد أحزنني هذا الكلام وأشعرني بالغضب. فقد تطلب الأمر مأساة كبيرة وكارثة جسيمة وزيارة يقوم بها الرئيس الفرنسي الذي اضطر إلى ممارسة هذه الضغوط الكبيرة من أجل تنفيذ الإصلاحات المطلوبة على أرض الواقع. لقد تطلب الأمر كل ذلك لمواجهة الفساد المستشري الذي ينخر في كيان الدولة اللبنانية والذي تسبب في إهدار مليارات الدولارات وهروبها من البلاد وحالة التفكك السياسي التي جعلت البلاد تجثو على ركبتيها.

رغم جسامة كل هذه التحديات، فإن الحكومة اللبنانية ظلت على ترددها وفشلها الذريع كما حافظت مختلف النخب على مواقعها من دون أن تحرك ساكنا. أما الجماعات المسلحة، ومن بينها تنظيم حزب الله، فقد ظلت تعترض على أي إصلاح وتدير شؤونها جماعاتها الطائفية مع التهديد باللجوء إلى استخدام القوة ضد المحتجين. هكذا واصل لبنان موته البطيء. 

لعل ما يثير السخط اليوم أن الفرنسيين يريدون اليوم بصلفهم «إصلاح البلاد» وهم الذين أنشأوا لبنان ووضعوا نظاما سياسيا طائفيا وإقطاعيا عقيما. في نفس الوقت، أشعر ببعض الارتياح لأن أحدهم قد قال لهم «يجب تنفيذ الإصلاحات وإلا...». لم يخل شعوري ببعض الارتياح من الانزعاج لأن الرئيس الفرنسي هو الذي أعطى هذا الإنذار الأخير، علما أن ذلك كان على رأس مطالب الحركة الاحتجاجية التي هزت لبنان في خريف 2019. 

في السنة الماضية، وفي خضم المظاهرات العارمة ضد استفحال مظاهر الفساد تولت إحدى المنظمات الإنسانية اللبنانية تكريمي. يومها ألقيت كلمة في تلك المناسبة واستهللتها ببيت من قصيدة للشاعر الفذ جبران خليل جبران: «لكم لبنانكم ولي لبناني». 

على غرار الشاعر جبران خليل جبران أحب الشعب اللبناني، وشعره وفنه وموسيقاه وأغانيه وحبه للحياة وشغفه بها. أحب الشعب اللبناني لكرمه وروح الضيافة التي يمتاز بها وأحب كل ما أعطى لبنان للعالم، وخاصة شعبه الموهوب. أحب جمال لبنان وجباله التي تكسو الثلوج قممها وأعاليها ومناظره الطبيعية الخلابة المطلة على البحر. 

أنا مثل جبران خليل جبران، أمقت الصراعات بين السياسيين الذين يتولون قيادة لبنان وجاءت بهم صدفة الولادة إلى سدة الحكم. أمقت أيضا نظام الامتيازات الطائفية في تقاسم السلطة واستشراء الفساد في مفاصل النظام السياسي والاقتصادي والذي جفف موارد وثروات لبنان ووضعها بأيدي هؤلاء المختارين. أرفض أيضا التنظيمات المسلحة التي ظلت تفتك بالدولة اللبنانية، سواء أكانت مسيحية أو إسلامية أو علمانية والتي ظلت، ماضيا وحاضرا، ترعب كل من يتجرأ على تحدي هيمنتها على البلاد. 

لقد قلت للحضور إن لبنان الذي أحبه هو لبنان الذي يخرج إلى الشوارع والذي ينادي بالإصلاح بأعلى صوته – أي إنهاء الطائفية والنخب الطائفية والاقطاعية الفاسدة والحكم بقوة السلاح. سقطت الحكومة اللبنانية في خضم تلك المظاهرات العارمة وحلت محلها حكومة من نفس طينتها. أما الاقتصاد الذي كان أصلا في حالة يرثى لها فقد سقط سقوطا مريعا. لا تزال القيادات على فشلها في تنفيذ الإصلاحات اللازمة على أرض الواقع. تساءل أحدهم وهو محق في ذلك: «كيف يمكن لهؤلاء الزعماء أن ينفذوا الإصلاحات وهم أصل المشكلة؟».

أجريت على مدى العقود الماضية الكثير من استطلاعات الرأي وقد كانت نتائجها ذات معنى، فقد أظهرت نتائج تلك الاستطلاعات أن اللبنانيين من مختلف الطوائف يريدون نظاما سياسيا على أساس مبدأ «رجل واحد، صوت واحد» كما أنهم يرفضون نظام الحكم الطائفي واستبداد المليشيات المسلحة وهو ينبذون التدخل الأمريكي والإيراني في الشؤون الداخلية في بلادهم. بعبارة أخرى، إنهم ينادون بالإصلاح. 

في خضم تلك الأجواء المأساوية منذ الانفجار الذي هز بيروت تجاوز بعض اللبنانيين الخط وذهبوا بعيدا في مطالبهم وذلك ومن شدة ما يشعرون به من إحباط بسبب هذه الحكومة ويأسهم من إمكانية تنفيذ التغيير اللازم. اقتصاد منهار، وفقدان السيطرة على السياسة الداخلية والخارجية وحكومة متفككة لا تأبه باحتياجات الناس وطموحاتهم، إضافة إلى استفحال أزمة اللاجئين التي ظلت تستنزف الموارد المحدودة للدولة اللبنانية، وهو ما زاد في تأجيج غضب اللبنانيين وشعورهم باليأس والعجز. ذلك هو الذي جعلهم ينفجرون غضبا وسخطا في حضور الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وفي ذلك الموقع الذي بات يرمز إلى آخر أوجاعهم. 

لا أعتقد أن فرنسا قد تكون عراب الإصلاح في لبنان رغم أن الرئيس ماكرون وجه رسالة لجوقة القيادات اللبنانية. يجب ألا يكون الفرنسيون هم وحدهم الذين يضمون صوتهم إلى أصوات الشعب اللبناني في المطالبة بالإصلاح وإعادة هيكلة النظام السياسي الذي يحكم البلاد. 

يجب أن يوفر مؤتمر المانحين الذي أعلن المساعدات الفورية اللازمة لكل من هو في حاجة إلى الدعم والمساندة على أن تكون المساعدات مشروطة بحزمة من الإصلاحات المقترنة ببرامج إعادة البناء والإعمار. من شأن هذا المسار تقوية الزخم الشعبي في لبنان وأن يعيد إلى اللبنانيين الأمل ويشعرهم بأن لهم حلفاء يقفون إلى جانبهم في هذه الطريق الطويلة من أجل إنقاذ البلاد وإعادة بنائها. 

لن يكون الأمر سهلا، فالنخب الطائفية لن تتزحزح عن مواقعها بكل سهولة كما أن مليشيا حزب الله لن تقبل بالتوقف بكل سهولة عن التهديد باستخدام السلاح ضد كل من يطالب بالتغيير. رغم ذلك فقد وصلنا اليوم إلى مفترق الطرق. فإذا كنا نريد أن ننقذ لبنان الذي نحبه فلا بد إذن أن نهزم لبنان الذي لا نحبه. إذا لم نفعل ذلك فإن لبنان قد يموت. 

‭{‬ رئيس المعهد العربي الأمريكي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news