العدد : ١٥٥٢٨ - الأحد ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٠ صفر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٢٨ - الأحد ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٠ صفر ١٤٤٢هـ

شرق و غرب

العالم بين جائحة فيروس كورونا والسياسة

بقلم: د. سيزار شلالة

الاثنين ١٠ ٢٠٢٠ - 02:00

شدَّ اهتمامي حدثان اثنان يوم 19 مايو 2020 في البرازيل، الدولة الأكبر مساحة جغرافية وسكانا في أمريكا اللاتينية. فللمرة الأولى تجاوز عددُ المصابين الذين قضوا نحبهم جراءَ جائحةِ فيروس كورونا عتبةَ الألف في يوم واحد. أما الرئيس البرازيلي جايير بولسونارو فقد أدلى في نفس اليوم بحوار صحفي عبر تطبيق إنستغرام مع موقع مدونة «ماغنو» وقد قال فيه دون أيما إحساس بمعاناة الناس وآلامهم وهم يواجهون هذه الأزمة الصحية التي تضرب بلادهم والعالم بأسره أيضا: «هؤلاء على يميني يمكنهم أن يشربوا كلوروكين وهؤلاء على يساري أنصحهم بتوبانيا «مشروب رائج في ولاية ساوباولو». قالها الرئيس البرازيلي وهو يضحك مازحا. 

لقد كشفت الأزمةُ الصحيةُ التي نجمت عن تفشي فيروس جائحة كورونا عن عدة أمور وظواهر ومن بينها قلة الإحساس، إن لم يكن انعدامه، لدى بعض رجال السياسية في العالم، بل وجهل بعضهم أيضا في تعاملهم مع هذه الجائحة. فالرئيس البرازيلي جايير بولسونارو لم يتوان عن تقديم دعاية مجانية لدواء كلوروكين، الذي يستخدم منذ فترة الستينيات من القرن الماضي في علاج المصابين بالملاريا.

أما نظيره الأمريكي دونالد ترامب فقد قدم ذات الدعاية مجانية لدواء هيدروكسي كلوروكين، المتفرع عن دواء الكلوروكين، بل إنه كشف أنه يتعاطى هذا الدواء رغم تحذير العلماء من آثاره الجانبية وعدم ثبوت جدواه في علاج المصابين بفيروس كورونا. 

لقد فعل الرئيسان البرازيلي والأمريكي ذلك دون أن يعبآ بآراء العلماء الذين راحوا يحذرون من الآثار الجانبية التي قد تنجم عن تعاطي هذا الدواء الذي قد يمثل خطرا على القلب وقد يسبب الوفاة.

لقد صدرت هذه المواقف عن هذين الرئيسين في وقت باتت فيه البرازيل ضمن الدول المصنفة على أنها تمثل بؤرة خطيرة لفيروس كورونا بعد أن تجاوز عدد المتوفين الألف يوميًّا، كما أن الولايات المتحدة الأمريكية تتصدر القائمة بقرابة مائة ألف حالة وفاة وأكثر من مليون ونصف المليون من المصابين. 

إنها مواقف تنم عن قلة مسؤولية بعض القادة السياسيين في العالم والذين يضعون مصالحهم السياسية الخاصة وقناعاتهم الخاطئة فوق مصالح وصحة مواطنيهم وشعوبهم. على غرار بعض الأحداث الأخرى التي شهدها العالم، فقد كشفت أزمة تفشي فيروس كورونا في مختلف دول العالم عن أفضل ما في بني البشر وأكبر مساوئهم أيضا.

 بفضل العمل البطولي الذي يقوم به مئات الآلاف من الأطباء وملايين الممرضين والممرضات والعمال في القطاع الصحي أمكن إنقاذ حياة الملايين من الناس في مختلف دول العالم من الإصابة بالعدوى والتعرض لخطر الموت بسبب هذا الفيروس التاجي الذي أودى حتى الآن بحياة مئات الآلاف. 

أما الأسوأ فقد تجلى في مثل هذه المواقف التي تصدر عن بعض القادة السياسيين الذين يستهينون بخطر هذه الجائحة ويعرضون بالتالي حياة الملايين من مواطنيهم لخطر الإصابة بالعدوى والموت. 

ذهبت إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى أبعد من ذلك إذ إنها سارعت إلى إغلاق الحدود في وجه المهاجرين ما اضطر عشرات الآلاف من الناس الذين تقطعت بهم السبل إلى العودة من حيث أتوا وهو ما ينم عن أحكام مسبقة ضد اللاجئين والمهاجرين. 

لقد اتضح أن الكثير من أولئك الذين سُدت في وجوهم أبواب الهجرة قد أصيبوا بفيروس كورونا في طريق العودة وهو ما جعل وزير الصحة في جمهورية جواتيمالا هوغو مونروي يقول: «لقد أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية بؤرة ووهان الأمريكيتين»!.

لا يزال عدد المصابين والمتوفين يرتفع مع اتساع رقعة تفشي فيروس كورونا في كل من الولايات المتحدة الأمريكية والبرازيل. تعتبر ساوباولو البرازيل أكبر المدن في الجانب الغربي من الكرة الأرضية وهي تتحول إلى واحدة من أخطر بؤر فيروس كورونا في العالم أيضا، ناهيك عن أن المستشفيات قد وصلت إلى أقصى طاقتها التشغيلية. 

يقول جيمس آلان، وهو منسق خدمات الجنائز في منطقة نكروبوليس الضخمة في مدينة ساوباولو في حوار صحفي أجراه معه المراسل كارلوس منديز سانشيز لحساب وكالة إي أف إي للأنباء: «إننا نتعامل مع الجنازة تلو الأخرى ولا نتوقف عن تسلم الموتى حتى أن البعض يدفنون في ظلام الليل وعلى ضوء الهواتف النقالة».

لقد بلغ الأمر درجة كبيرة من الخطورة مع ازدياد أعداد الموتى والمصابين بفيروس كورونا التاجي ما جعل المستشفيات والطواقم الطبية والصحية تواجه ضغوطا كبيرة وهي تعمل على مدار الساعة لإنقاذ الأرواح واحتواء تفشي الفيروس، الأمر الذي حدا بحاكم ولاية ساوباولو إلى القول: «في البرازيل هناك نوعان من الفيروسات فيروس كورونا التاجي وفيروس جايير بولسونارو». 

لقد جاءت الأزمة الناجمة عن تفشي فيروس جائحة كورونا لتكشف مواطن الخلل الكبيرة التي تعاني منها النظم الصحية في عديد من دول العالم وهو ما أعاق الجهود الرامية إلى مكافحة هذا الفيروس التاجي الذي فتك بمئات آلاف الأرواح وخلف أضرارا اقتصادية واجتماعية ونفسية كبيرة طالت مختلف دول العالم وإن كانت بدرجات متفاوتة.

تتفاقم الأوضاع خاصة في الدول النامية التي تعاني من هشاشة نظمها الصحية والاقتصادية وتفشي الفقر والبطالة ومختلف الجوائح الاجتماعية والصحية الأخرى. ففي البرازيل يقدر الخبراء أن الأعداد الحقيقية للمصابين والمتوفين في البرازيل يصل إلى خمسة عشر ضعفا للإحصائيات الرسمية التي تقدمها وزارة الصحة البرازيلية.

في ظل الأوضاع الراهنة التي تتسم بهشاشة اقتصادية واجتماعية وصحية كبيرة ناجمة عن تفشي فيروس كورونا يصعب في الحقيقة التكهن ما قد يحدث في الأشهر القليلة القادمة والمدة التي سنظل نتعامل خلالها مع تداعيات هذه الأزمة الصحية التي ألمت بالإنسانية جمعاء. يتوهم من يعتقد أن هذه الجائحة ستختفي هكذا بضربة سحرية. 

 

‭{‬ الكاتب حائز على جائزة الصحافة لبلدان ما وراء البحار في سنة 1979 عن مقال بعنوان «المختفون أو المفقودون في الأرجنتين: رحلة البحث اليائسة عن آلاف المختطفين». 

 

كورييه

 

 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news