العدد : ١٥٥٢٤ - الأربعاء ٢٣ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٦ صفر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٢٤ - الأربعاء ٢٣ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٦ صفر ١٤٤٢هـ

قضايا و آراء

النفط الصخري البحريني.. وفرصة الريادة التقنية

بقلم: د. محمد علي بن شمس {

الاثنين ١٠ ٢٠٢٠ - 02:00

منذ أن ناقشت لجنة الثروات الطبيعية والأمن الاقتصادي برئاسة سمو ولي العهد -حفظه الله- استثمار أكبر حقل للنفط والغاز الصخري في تاريخ البحرين، تنامى الاهتمام بهذا المصدر النفطي غير التقليدي من طبقات المجتمع كافة لارتباطه المباشر بمقدرات الوطن ونهضته التنموية وتأثيراته المتوقعة على مستوى معيشة المواطنين. كما هو معلن، تقدر الأحجام المكتشفة بنحو 80 مليار برميل من النفط الصخري ومن 10 إلى 20 تريليون قدم مكعب من الغاز العميق مع العلم أن روسيا التي تمتلك أكبر مخزون صخري في العالم تقدر احتياطاتها بنحو 70 مليار برميل. جزء من هذه الكميات هو ما سيتم استغلاله اقتصاديا، ولكن إذا ما أخذ بعين الاعتبار الكمية الأصلية، فبلا أدنى شك سيفضي هذا إلى زيادة كبيرة في الإنتاج البحريني من النفط. 

 من أجل ذلك نرى ان هناك دافعا لزيادة الثقافة النفطية ذات الصلة بهذا الموضوع وهو الهدف من هذا المقال والذي يتألف من جزأين، الأول وهو مقدمة بسيطة عن النفط الصخري وبعض المصطلحات ذات صلة بالمكامن غير التقليدية، أما الثاني فيسلط الضوء على التجربة الأبرز في اكتشاف وإنتاج النفط الصخري من الحقول البرية (On-shore) الأمريكية وأهم العوامل التي ساعدت في ازدهارها وإمكانية تعميمها في البحرين. 

في البداية أود أن أوضح ثلاثة مصطلحات غالبا ما يتم تقديمها على أنها مترادفات وهي الصخر الزيتي، والزيت الرملي وأخيرا الغاز والنفط الصخري. باختصار، الصخر الزيتي (Oil Shale) يمتاز باحتوائه على مادة الكيروجين (مركب هيدروكربوني معقد) كجزء مكون من الصخر وليس كامنا في المسام ويتطلب استخلاصه أساليب حرارية. النفط الرملي أو الرمل القطراني (Oil sands or Tar sands) وهو مزيج من الرمال والقطران. إذا تواجد في المكامن السطحية تستخدم أساليب حرارية لفصل القطران وتكريره وتحويله إلى نفط خام، أما إذا تواجد في المكامن العميقة فتستخدم عندها تقنية حقن البخار. تعتبر كندا الدولة الأهم في انتاج الزيت الرملي في العالم. النوع الثالث وهو النفط والغاز الصخري (Shale Oil and Shale Gas) وهو تجمعات هيدروكربونية في صخور المنبع العميقة قليلة أو عديمة النفاذية وهذا النوع هو محور اهتمامنا هنا والمرتبط بالاكتشافات الأخيرة في مملكة البحرين. 

ما الفرق بين النفط التقليدي المُستخرج حاليا من حقل البحرين البري وأبو سعفة البحري والنفط الصخري الذي نحن بصدد انتاجه من حقل خليج البحرين البحري؟ لا يختلف نوعا النفط في التكوين الكيميائي أو الهيدروكربوني (فكلاهما بترول إن جاز التعبير) بل في مسامية الصخور (القدرة على التخزين) وسلاسة نفاذيتها (التدفق بين المسام). في حالة النفط الصخري، الصخور غالبا ما تكون قليلة النفاذية (تسمى أيضا ضيقة)، مما يعني أن النفط والغاز لا يمكن أن يتدفقا من المسام الميكروسكوبية غير المتصلة مع بعضها البعض إلى بئر الانتاج بسهولة على عكس الآبار التقليدية والتي يكون فيها النفط أو الغاز محاصر ومخزن في صخور ذات مسامية ونفاذية عالية. بمعنى آخر، المكامن النفطية غير التقليدية (كالمُكتَشَفة قريبًا في البحرين) لا يمكنها انتاج النفط والغاز بكميات ذات جدوى اقتصادية من دون تحفيز ميكانيكي خارجي كبير. من جهة أخرى، يبلغ متوسط معدل الإنتاج اليومي للبئر الصخري خلال عمره الاقتصادي القصير (والذي غالبا لا يتجاوز 3-4 سنوات) نحو 200-300 برميل تقريبا في اليوم بينما متوسط معدل انتاج البئر التقليدي (والذي قد يزيد عمره على 30 عاما) قد يتراوح بين 3000-5000 برميل في اليوم. وبالتالي ولتلبية الاحتياجات الإنتاجية، قد يستلزم الأمر حفر عدد أكبر بكثير من الآبار الصخرية مقارنة بالآبار التقليدية بل وبشكل دوري للتعويض عن العمر الاقتصادي القصير لبئر النفط الصخري. وأخيرا وبشكل عام، يعتبر استخراج الغاز والنفط الصخري مُكلِفا نسبيا إذا ما قورن بالمكامن التقليدية.

ولكن هناك جانب مشجع فيما يخص النفط والغاز الصخري. فإلى جانب التقدم في مراحل الاستكشاف وبالأخص البيانات الكبيرة السيزمية ثلاثية ورباعية الأبعاد (يمكن تشبيهها بصور السونار ثنائية الأبعاد للمرأة الحامل) وإمكانية تحليلها باستخدام الحواسب السحابية والتي أدت إلى زيادة الموثوقية في رصد الآبار الصخرية ذات المردود الاقتصادي المجدي، توسعت إمكانية إنتاج النفط والغاز من الصخور المنخفضة النفاذية بسرعة خلال السنوات العشرين الأخيرة. ففي عام 1998، قامت شركة ميتشل للطاقة (Mitchell Energy) باستخدام تكنولوجيا التكسير الهيدروليكي لاستخراج الغاز الصخري بكميات ذات جدوى اقتصادية. وبفضل تكنولوجيا الحفر الأفقي والتكسير الهيدروليكي، تعززت القدرة على إنتاج النفط والغاز من هذه الصخور غير القابلة للاختراق من خلال الحفر الموجه الدقيق، والتكسير الهيدروليكي (Hydraulic fracturing) المتعدد المراحل وفيه يتم ضخ كميات من الماء (90%، تقدر بحوالي10-20 ألف متر مكعب للبئر الواحد) والرمل (9%، لدعم الشقوق وإبقائها مفتوحة) والمواد الكيميائية (1%، لزيادة اللزوجة ومنع البكتيريا والتآكل) تحت ضغط عال لخلق تشققات في صخر المنبع تسمح بانسياب الغاز والنفط والذي غالبا ما يكون نفطا خفيفا. غالبا ما يكون تأثير التكسير في محيط البئر وعلى مسافة قصيرة منها لا تتجاوز عشرات الأمتار، لذلك ينخفض الإنتاج خلال السنة الأولى بنسبة تصل إلى 70% ويصبح انتاج البئر غير مجدٍ اقتصاديا بعد 3-4 سنوات كما أسلفنا سابقا وهو ما يتطلب حفرا مستمرا للآبار للمحافظة على مستوى الانتاج. 

هناك عوامل كثيرة قد تحول دون استغلال المكامن غير التقليدية للنفط والغاز الصخري كصعوبة الجغرافيا كما هو الحال في الصين أو صعوبات تمويلية كما هو الحال في الأرجنتين. تجربة الولايات المتحدة الأمريكية تعتبر التجربة الأهم في العالم في استخراج النفط والغاز الصخري ويرجع ذلك إلى عوامل كثيرة تميزها عن غيرها في العالم، كجاهزية البنى التحتية المحاذية لمواقع الإنتاج، وتوافر الحفارات والمعدات الثقيلة ووسائل النقل والأهم هو وفرة الأيدي العاملة المدربة والمؤهلة ذات الخبرة المتراكمة الطويلة في حفر الآبار منذ اكتشاف النفط. يضاف إلى ذلك التشريعات البيئية المحفزة لشركات الإنتاج. هذه العوامل مجتمعة عززت الجدوى الاقتصادية من استغلال مكامن النفط الصخري الأمريكي. ويؤكد المختصون أن تعثر انتاج النفط الصخري خارج الولايات المتحدة الأمريكية ليس مقيدا بتكنولوجيا الإنتاج، والتي غالبا ما تكون في متناول الجميع، بل بالبنية التحتية المرتبطة بالإنتاج والطبيعة الجيولوجية وليس بأقل أهمية التأهيل البشري والتمويل والتسهيلات البيئية والتي في حال عدم توافرها قد تعيق المضي في انتاج كميات ذات مردود اقتصادي. 

يجب التنويه هنا إلى أن جُلَّ التجربة الأمريكية مرتبط بالنفط الصخري في الحقول البرية (On-shore wells) بينما في البحرين تتركز معظم تكوينات النفط والغاز الصخري المعلنة في المياه البحرية (القواطع 1، 2، 3، 4  من خليج البحرين) وبالتالي نحن هنا بصدد التنقيب والإنتاج من حقول بحرية غير تقليدية (unconventional off-shore wells). السؤال المحوري هو إذن: هل يمكن تعميم التجربة الأمريكية البرية بمجملها أو بجزء منها لدينا في البحرين أم أننا أمام تجربة تقنية فريدة وغير مسبوقة يمكن استثمارها وتنميتها مدفوعةً بالحاجة الاقتصادية الملحة لاستغلال هذه الحقول بالشكل الأمثل انتاجيا واقتصاديا وبيئيا بحيث يكون لنا جزء من الريادة التقنية العالمية في هذا المجال؟ فإلى جانب الأهداف المهمة والتي حددتها الاتفاقيات المبرمة مع شركات التنقيب والإنتاج العالمية، كنقل التكنولوجيا والتدريب وتأهيل واحلال العمالة الوطنية، نرى أيضا الحاجة إلى ان يوازي هذا منصة بحثية متخصصة معنية بالمقام الأول بتجربة النفط والغاز الصخري البحريني وتحدياته المتوقعة على وجه التحديد، توفر الدعم البحثي وتعزز استدامة هذه الحقول والبيئة المصاحبة لها مما يضمن دقة قرار الاستثمار وتوقيته وتقليل ما أمكن من مخاطر الاستثمار الباهظة التكاليف. فعلى سبيل المثال نجد معظم الدارسات والأبحاث المهمة المتعلقة بتطوير التقنيات والاقتصاديات المرتبطة بإنتاج النفط الرملي مصدرها الجامعات الكندية كجامعة كالجاري ومراكز الأبحاث الكندية كمعهد ابتكار رمال النفط في جامعة ألبرتا.

وقياسًا على ما تقدم يمكن القول، إنه من المتوقع أن تسهم التحسينات التكنولوجية المستقبلية والتي هي رهينة التقدم البحثي التقني في مجال النفط والغاز الصخري في تقليل كلفة الإنتاج وزيادة الانتاجية والحد من الآثار البيئية المترتبة متى ما اقتضت الحاجة. ولا يسعنا في النهاية الا ان نؤكد أن التطورات التقنية عادة هي نتاج تراكمات علمية ومعرفية ونتائج صغيرة تمخضت عن محاولات وتجارب عملية شاقة ومكلفة وقد تأتي من خارج صناعة النفط والغاز. إذن هي دعوة لأصحاب المصلحة في تبني هذا التوجه الهادف إلى خلق منصة بحثية وطنية-عالمية داعمة لهذه الصناعة الفريدة والواعدة للمملكة. 

‭{‬ قسم الهندسة الكيميائية- جامعة البحرين

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news