العدد : ١٥٥٢٨ - الأحد ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٠ صفر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٢٨ - الأحد ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٠ صفر ١٤٤٢هـ

مقالات

مستقبل قطاع الطيران

بقلم: عبدالخالق رؤوف خليل

الأحد ٠٩ ٢٠٢٠ - 02:00

واجه قطاع الطيران والنقل الجوي تحديات متعددة بسبب إجراءات الحظر العالمي، والقيود على السفر وقد أدى هذا إلى تراجع إيرادات خطوط الطيران في البلدان العربية بنحو 24 مليار دولار هذا العام مقارنة بالعام 2019، وذلك حسب تقرير اتحاد النقل الجوي الدولي. وتتمحور أغلب التدابير التي تتخذها شركات الطيران حاليًا حول مواجهة الأزمة على المدى القصير بتقليل الإنفاق والحفاظ على السيولة؛ وذلك بمنح الموظفين إجازات طويلة الأمد، وتأجيل عمليات صيانة الطائرات أو إحالة الأقدم منها إلى التقاعد، وإعادة الطائرات المُستأجَرة. وعلى الرغم من أن هذه الإجراءات الطارئة ضرورية للمحافظة على استمرارية الأعمال على المدى القصير خلال بضعة شهور، فإن العامل الحاسم في نجاح مختلف الشركات في القطاع سيكون الاستعداد للمستقبل والابتكار للاستفادة من الفرص الجديدة التي سيخلقها واقع قطاع الطيران الذي سيتغير حتمًا ليلتزم بمعايير صحية أعلى للتأكد من عدم إصابة المسافرين بالفيروسات، وتعزيز النظافة والتعقيم وتحقيق التباعد الاجتماعي. وأسوة بما حدث بعد «11 سبتمبر»، فسيشهد قطاع الطيران نقلة نوعية في إجراءات الوقاية والسلامة قبل وأثناء وبعد عملية السفر.

فبرغم القيود على السفر الا أن ذلك لم يتسبب في تراجع رغبة الناس في السفر للسياحة أو ممارسة الأعمال أو العودة إلى الأوطان، بل ربما ازداد شوق الناس للسفر الجوي مما يعني أن الطلب على السفر في حال فتحت الأجواء ما زال قائمًا. ويضاف إلى هذا أن الطلب على قطاع الشحن الجوي لم يتراجع عالميًا إلا بنسب قليلة، بل إن شركات الطيران في الشرق الأوسط سجلت نموًا في أحجام الشحن الجوي بنسبة 4.3% خلال شهر فبراير 2020، مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي، فالوضع الحالي يوفر فرصًا عديدة؛ أبرزها شراء الطائرات التي ألغي طلبها أو توقف استئجارها مثلاً من شركات الطيران أو منتجيها لأنها ستصبح جاهزة للشراء بأسعار منخفضة. وهنا بإمكان صناديق الثروة السيادية في منطقة الخليج دراسة شراء الأصول في عدد من القطاعات التي يُتوقَّع أن تنتعش، وعلى رأسها قطاع الطيران. وربما سوف يعد شراء طرازات أحدث من الطائرات بأسعار مخفضة سوف يحقق منفعة اقتصادية أعلى على المدى البعيد من صيانة الطرازات القديمة (فربما بالإمكان تحويل بعض هياكلها إلى مكاتب جاهزة لشركات الطيران أو تباع إلى مشاريع ترفيهية ومطاعم). فتخفيض الشركات المصنعة لأسعارها، كما فعلت شركة بوينج، يتيح لبعض شركات الطيران شراء نماذج أحدث من الطائرات وأكثر كفاءة في استهلاك الوقود، ويؤهلها للتقدم على منافساتها.

ومن ناحية أخرى، تشكل أسعار الوقود المنخفضة جدًا اليوم فرصة لشركات الطيران لخفض التكاليف والمحافظة على أسعار تذاكرها منافسة، خاصة أن الوقود يمثل نحو ثلث كلفة التذاكر. ولأنه لا يتوقع أن تنخفض أسعار الوقود إلى قيم أقل مما نشهده اليوم، بإمكان بعض شركات الطيران أن تخزن كميات أكبر من الوقود الرخيص، أو تعقد اتفاقيات شراء طويلة الأمد مع مزودي وقود الطائرات بأسعار اليوم، كي تبقي تكاليفها منخفضة خلال العامين المقبلين حتى تعافي القطاع تمامًا. وستحظي الأفضلية لوجهات السفر السياحية لأماكن قريبة من المسافر لتجنب السفر الطويل، كما سيتأثر الطيران المباشر وقت الترانزيت خلال محطات متعددة.

أما على صعيد القوى البشرية فبإمكان شركات الطيران الاستفادة من الوقت الراهن لإعادة تدريب عدد من العاملين لديها (الذين لا يعملون حاليًا بسبب توقف الطيران) للمهمات الجديدة المتوقعة، مثل التدرب على عمليات تعقيم الطائرات بين الرحلات، أو العمل في مراكز الاتصال، ومساعدة الركاب عن بعد لتلبية احتياجاتهم الشخصية وتقديم المساعدة اللازمة لهم خلال رحلاتهم، أو حتى العمل كأدلاء سياحيين إن كانت شركة الطيران تملك أيضًا شركة تقدم الخدمات السياحية.

وقد أعلنت العديد من شركات الطيران عن عودة تدريجية لحركة الطيران الدولي بدءًا من منتصف يونيو الماضي، لكن استعادة كسب ثقة المستهلكين على المدى القصير والبعيد يحتم على شركات الطيران اتخاذ جميع التدابير الاحترازية الفورية للحد من انتشار الفيروسات، والأهم من ذلك إعادة النظر في نماذجها التشغيلية، وإعادة حساب تكاليفها بناء على النماذج الجديدة.

ولا ريب أن تجربة السفر بالطائرة ستتغير حتمًا، فمن المتوقع ان تصبح معظم إجراءات تسجيل الوصول والدخول إلى الطائرة والتحقق من الشخصية آلية بالاعتماد على أجهزة الفحص والهواتف النقالة والذكاء الاصطناعي دون احتكاك بالأشخاص، وستجرى للمسافرين فحوصات الدم وقياس درجات الحرارة والتعقيم والمسح الحراري، لتمتد عمليات التطهير إلى الأمتعة أيضًا.

ويتطلب ابتكار تجربة الطيران الجديدة من شركات الطيران الانخراط في شراكات مع قطاعات لم تتعاون معها في السابق، مثل مزودي الخدمات الصحية، فمثلاً بإمكانها:

التعاون مع مزودي الخدمات الصحية من القطاعين الخاص والعام لتوفير حلول لفحص صحة المسافرين ومراقبتها لفترة كافية قبل الطيران بالاعتماد على أجهزة قابلة للارتداء أو تطبيقات الهواتف النقالة.

والتخلي نهائيًا عن الأسلوب القديم في تقديم الأطعمة والمشروبات والتحول نحو الأطعمة والمشروبات المعلبة للحماية من تلوث الأطعمة، وتوزيعها ضمن خزائن معقمة خاصة ملحقة بالمقاعد قبل صعود الركاب إلى الطائرة. وهو إجراء سيوفر الكلفة أيضًا على شركات الطيران.

إعادة تصميم الطائرات بشكل يخدم التباعد الجسدي، دون أن يؤثر كثيرًا على كلفة السفر جوًا على الفرد، بإضافة نوع من العوازل البلاستيكية الخفيفة بين المقاعد وتغيير اتجاهاتها بشكل يعزلها عن بعضها لتحويلها إلى نوع من المقصورات الفردية الصغيرة مع دراسة دوران الهواء فيها لعزله عن هواء الآخرين. وبالإمكان أيضًا تحويل جزء من المقاعد إلى مقصورات معزولة بالحواجز البلاستيكية الشفافة بسعات 3 أو 4 أو 5 أو 6 أشخاص للعائلات دون تخفيض عدد المقاعد فيها، بما يتيح للأشخاص من عائلة واحدة السفر معًا دون حاجة إلى تباعد جسدي.

الاستفادة من المساحات الناتجة عن إزالة بعض المقاعد وتحويل أماكنها إلى مخازن متوافرة للاستئجار للأمتعة أو الأطعمة المبردة، لنقل أمتعة المسافرين الزائدة أو حتى توفيرها لشركات توصيل الطرود العالمية وباعة التجزئة عبر الإنترنت.

على المدى البعيد، وكما يوجد ضبط مستمر لدرجة حرارة الهواء وضغطه في الطائرات، بالإمكان إضافة نظم مراقبة صحية لمراقبة أجواء الطائرات وتحليلها وتنقيتها بالاعتماد على نظم الذكاء الاصطناعي، وقد تستخدم  أيضًا نظم مراقبة آلية ذكية لصحة الركاب خلال الرحلة وحتى لفترة كافية بعدها (بالاعتماد على الهواتف النقالة للمسافرين أو بالشراكة مع أحد مقدمي الخدمات الصحية) للتأكد من عدم انتقال الأمراض.

وأخيرا ومتى وجد اللقاح لربما «يستحدث جواز سفر كورونا» أسوة بالبطاقة الصفراء للتطعيم ضد أمراض الكوليرا والتهاب الكبد الوبائي.

ولا بد أن تستمر المحافظة على معايير الوقاية الصحية خلال السفر الجوي والتنقل بين الدول حتى تنخفض مخاطر انتشار الأوبئة على مستوى العالم ويشعر المسافرون بأمان أكبر ويقبلون أكثر على السفر من جديد، وسيكون هذا هو النموذج الطبيعي الجديد في قطاع الطيران.

الأمين العام السابق 

 الاتحاد العام العربي للتأمين

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news