العدد : ١٥٥٢٨ - الأحد ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٠ صفر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٢٨ - الأحد ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٠ صفر ١٤٤٢هـ

الثقافي

«المركز الإقليمي» أقرن اسمه مؤخرا بجائزة لدراسة اللهجات...

حاورته: زهراء غريب

السبت ٠٨ ٢٠٢٠ - 02:00

الـدكـتور أحـمـد الـعـبـيـدلـي: يـجـب إيقاف نزيف الثروة الحضارية والتدهور المستمر في التراث!


بذل ممتد الخطى صوّبه الدكتور أحمد العبيدلي في جهود رعاية المكتسبات الحضارية والتراثية، جعل اسمه مقترنا بجائزة أطلقها مؤخرا المركز الإقليمي للتراث العالمي في البحرين، بهدف دراسة اللهجات والمجتمعات العربية القديمة. العبيدلي الذي صرف دهرا طويلا في الترحال والسفر لبحث التاريخ الإنساني والحضاري للأمم، كشف لـــ «الثقافي» بعض خبايا هذا المسير والتكريم في لقاء.

ماذا تقول في إطلاق المركز الإقليمي العربي للتراث العالمي جائزة تحمل اسمك؟

أمضيت زمنا أبحث اختياري للمركز الإقليمي العربي للتراث العالمي كمقر للجائزة وكان موفقًا، وأعبر هنا عن رأيي الخاص حين أتحدث في هذا المجال. فالمركز يسعى للحفاظ على ما أنتجته يد الإنسان ودماغه عبر القرون. والجائزة تبحث عمن يشاركها الرأي قبل الجهود. والمركز قَدِم لهذه البقعة من العالم ساعيا وراء تحقيق هدف إنساني رفيع وهو الحفاظ على ما شيّده الأوائل، ولم يعد إنتاجه ممكنا، ولقد كرست سنوات من عمري أستخدم كافة الوسائل الممكنة للحفاظ على تركة أقوام بعضها باد والبعض الآخر بقي واستمر، عاشت ولم ترحمها أنواء الطبيعة، ولا الصراعات الإنسانية. والمركز يسعى للحفاظ على كل ما هو قيم والذي اجتاز امتحان الزمن. 

تسعى الجائزة لتسليط الأضواء على واقع يستصرخ فينا التحرك قبل فوات الأوان، فنخسر بعضا من التراث الذي تحملته مناطق وبشر لقرون استمرت، ولكنها باتت محتاجة لعناية من جهات محترفة. والمركز الإقليمي يوفر هذا ويقدم مزيجا من الخبرة الإدارية والتجربة الأكاديمية الرصينة ويعمل لتأسيس تقاليد صارمة في حقله. وهو صلة وصل ممتازة بين الحكومات والمؤسسات المتخصصة والجمهور. ولقد حضرت بعض أنشطته وتحدثت مع بعض مسؤوليه. ولذلك فقدرته على توفير بيت للجائزة كانت جلية، ولا تجارى.

ومن ذلك جاءت البرامج التي تُوفر للمحافظة على التراث الإنساني في سوقطرى، وهي إحدى البقاع التي تكون مع مناطق أخرى هدف الجائزة وميدان اهتمامها. 

وعمل المركز حثيثا لدعم جهود الدول الأعضاء لتحقيق تمثيل موثوق ومتوازن للتراث الثقافي والطبيعي للمنطقة على قائمة التراث العالمي، وتعزيز حماية وإدارة الممتلكات المدرجة على القائمة، وحشد الدعم المالي الإقليمي والدولي لهذه الغايات، بالإضافة إلى زيادة مستوى الوعي بالتراث العالمي في المنطقة.

وعلى نحو محدد ينشط المركز لتعزيز تطبيق اتفاقية التراث العالمي لعام 1972 في المنطقة العربية بالدفع في عملية تطبيق قرارات وتوصيات لجنة التراث العالمي لصالح ممتلكات التراث العالمي في المنطقة.

وبمناسبة الحديث عن الجائزة وتأسيسها أتقدم بالشكر لمعالي الشيخة مي بنت محمد آل خليفة رئيسة هيئة البحرين للثقافة والآثار، والشيخ إبراهيم بن حمود آل خليفة مدير المركز الإقليمي العربي للتراث العالمي اللذين دعما الفكرة، وجعلا تحقيق الفكرة ممكنا.

برأيك هل ستحقق الجائزة أهدافها بتصويب الأنظار نحو أهمية التراث الثقافي العربي؟

الأهداف الكبيرة، والخطط الطموحة لا تتحقق بجائزة واحدة مهما كبرت، أو بإيجاد مؤسسة أكاديمية مهما توسعت وتسامت. وأمام الجمهور العربي، طريق طويل ولكنه لربما كان أقصر الطرق لتحديد عناصر التراث العالمي المنتشرة في البقاع العربية. وفيما يتعلق بالتراث العربي العالمي الذي تود هذه الجائزة أن تشد الانتباه إليه وتجتذب إليه الأنظار فيبدأ بالتحديد اللغوي والجغرافي لما نقصده باسم التراث، وأن تشجع المحافظة عليه، وإجراء الدراسات عنه. فمن الناحية الجغرافية نحن نتحدث عن منطقتين مثيرتين للانتباه، وتغريان بمتابعة الأبحاث عنهما: الأولى المنطقة التي تبدأ بظفار بعمان وتتصل بأرض المهرة ثم ترتبط ببضعة أقاليم في الصومال والحبشة وإرتيريا. وهناك نجد لغات تنتمي إلى عربية ما قبل عربية قريش التي بها نزل القرآن الكريم. إنها لغات حفظها التاريخ ووجدت في الجبال والكهوف موئلا يحميها من الانقراض. ولم يكن كتاب قدماء يعتقدون أنها من اللغة العربية فقال بعضهم: «ما لسان حمير وأقاصي اليمن اليوم بلساننا، ولا عربيتهم بعربيتنا». وواقع الأمر أن هؤلاء كانوا يستمعون إلى أقوال بلدانيين عرب ومسلمين لم يزوروا مناطق ظفار، ولا كتبوا بناء على تجربة مباشرة. فبقت جماعات من السكان تعيش في جيوب، منعزلين عن المحيط. واحتفظوا بلهجاتهم وعاداتهم وتقاليدهم لقرون عديدة حتى وصلت إلينا في العقود الأخيرة. ولكنها باتت مهددة الآن بمتطلبات المعيشة المُلحَّة اليومية. وبدراسة تلك اللهجات أو المجتمعات، لا نسهم في فهم حياتهم ولسانهم، وإنما يتسنى لنا أن نتعمق في دراسة تاريخ مجتمعات أخرى إلى الشمال والشرق ممن فارق طرائق عيش تلك المجتمعات القديمة، وفقدت تواصلها اللغوي مع تراثها القديم.

وإزاء بقاء أقوام ولهجات من عصور ما قبل الإسلام، نجد نقوشا وكتابات ومخربشات بالآلاف تنتشر في جزيرة العرب وتوغل شمالا حتى لنجدها في بادية الشام وتتفاوت في عمرها حيث يتراوح الكثير بين 500 قبل الميلاد و500 بعد الميلاد. وعلى مدى القرنين الماضيين بادر كُتّاب وباحثون: مستشرقون أولا، ودارسون من دول مجلس التعاون واليمن تاليًا بمحاولة فك أسرار تلك اللغات، وتبويبها واستخدام تلك النتائج للوصول إلى استنتاجات جديدة.

ونحن في سباق مع الزمن: ففي كل عام تتغير تلك المجتمعات أمام زحف عناصر التدمير والهدم والإزالة، وتضغط متطلبات العيش في قرننا الواحد وعشرين لنتملُّكها. والكل مطالب بأن يفعل شيئا لوقف جموح الحياة الحديثة وخسارة تركة حضارية لا تقدر بثمن. وهذه الجائزة واحدة من محاولات خليجية وعربية وحتى عالمية لبذل جهود باتجاه وقف تدهور حالة البشر والحجر وتدارس كيف نحقق ذلك.

حدثنا عن تجاربك الحياتية التي أذكت اهتمامك باللغات المجتمعية العربية القديمة.

هنا سأبدأ من الآخر. فقد استجمعت قواي للقيام بدراسة مكثفة عن قضية ثمود وناقة النبي صالح لتحديد مكان حدوثها، وأصدرتها في كتاب عنوانه العثور على ناقة النبي صالح. وقد انتهيت إلى الاستنتاج بأن أرض ظفار هي الموقع الأكثر إقناعا لأن يكون مقرا لهذه الملحمة العربية. ولقد نبهتني هذه الدراسة لأهمية التوجه بشكل سريع إلى تلك المناطق ومحاولة الحصول على ما يمكن الحصول عليه من المعلومات قبل ضياعها بسبب تعرض تلك البقاع إلى عمليات تحديث مستمرة تتزايد بتقدم الوقت وقلة وسائل الحفظ وشحة المصادر المالية واللوجستية المكرسة للمحافظة على التراث القائم فيها.

وكانت ظروف سبعينيات القرن الماضي قادتني إلى اليمن. حيث أمضيت أعمل مشرفًا تعليميا في منطقة المهرة. وهناك تعرفت على أكبر تلك المجموعات عددا وهي قبائل المهرة وقبائل منطقة ظفار وهي المحافظة العمانية المحاذية للحدود اليمنية. وسرعان ما أدركت أني أعيش في بقعة تكاد أن تقول إن التاريخ مرَ بها، ولربما ألقى بعصا التسيار بها ردحًا من الزمان. وبدا لي أحيانا أن هذه البقعة تروي من تاريخ العرب والبشرية الكثير. وأن هذا الكثير لن يكشف لنا من التجربة الإنسانية وما تركه الأوائل: كنوزا وثروات دفنت في الأرض بانتظار مكتشفين من ذوي الخبرة والجلد. ولكنها ستخبرنا الكثير عن قضايا مرتبطة بتطور البشر، وانتقالهم من حال إلى حال. وهذا ما حدث منذ بداية الاستكشاف في الخليج العربي في منتصف القرن الماضي وحتى اليوم. والمهرة وظفار هما من أهم مناطق اللهجات العربية القديمة. ولا تزال تلك اللهجات المستخدمة تصارع من أجل البقاء أمام زحف قوى الحداثة والعصرنة والتجديد. وسبق أن اقترحت أن تعلن الحكومات العربية، وكذلك الأكاديميون العرب أفرادا ومؤسسات، أن تلك المناطق هي بقاع منكوبة آثاريا كما يحدث حين الزلازل أو الأعاصير فتنهار المدن ويموت الناس، وتعلن الحكومات تلك المناطق مناطق منكوبة، يتعاون الجميع لمساعدتها. وهذا ما يجب أن يحدث فهي أراض بحاجة لكل مساعدة للمحافظة على تراثها. 

واللغة أكثر هشاشة من كثير من العناصر. فهي وإن كانت مصدر ثراء لا يحد، فهي بالمقابل سريعة الاندثار. والأجيال الحديثة ما عادت تستخدمها كما الآباء والأجداد. وبموت كل طاعن في السن نخسر قدرا من المعلومات إن لم نسارع ونحفظها.

كيف تقيس جهود البحرين في تعزيز الاهتمام بالتراث الثقافي العربي؟

هناك مقاييس شتى لمعرفة مدى اهتمام أي بلد بالتراث، ومدى استعداد أية جماعة بشرية للاستثمار في الثقافة. ولكن لربما كان أهم تلك المقاييس هو متابعة ما يجري في المدارس. إن رأيت الجهات التربوية تحرص على إدخال مواضيع معينة مثل الاهتمام بالتراث وتشجع الفنون والآداب فهذا دليل أن البلد مهتم بمثل تلك القضايا، ويريد لذلك الاهتمام أن يستمر ويتنامى. وأعتقد أننا نحرص على أن نزرع في أنفس الأجيال القادمة مثل هذا الاهتمام. أذكر معرضا للفنانة بثينة فخرو كرسته للأختام الدلمونية كان مقدرا له أن يستمر لأسبوعين فقط، على أنه مدد لثلاثة شهور: وكان السبب في ذلك هو الرغبة في إتاحة الفرصة أمام طلبة المدارس لزيارة المعرض. وهذا دليل على تزايد الاهتمام بالتراث، ومؤشر على رغبة المسؤولين في زرع ذلك الاهتمام في وجدان الأجيال القادمة. ويفعّل هذا الاهتمام عند انعقاد معارض الكتب العربية في البحرين حيث يتعلم الطلبة صغارا أم كبارا أهمية الكتاب والقراءة، وكيف ينمو هذا الاهتمام مع الوقت.

رسالة تود توجيهها للباحثين الذين سيشاركون في الجائزة. 

لا تقنعوا بما دون النجوم! وتمنياتي للجميع بالنجاح.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news