العدد : ١٥٥٢٢ - الاثنين ٢١ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٤ صفر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٢٢ - الاثنين ٢١ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٤ صفر ١٤٤٢هـ

الاسلامي

الإنــســــان فــــي الــقــــرآن (22)

بقلم: عاطف الصبيحي

الجمعة ٠٧ ٢٠٢٠ - 02:00

انتهينا في المقال السابق إلى القول: وهذا هو الوازع الأخلاقي بمفهومه العام والذي يفعل فعله في تنفيذ الشريعة وحمايتها من الخطأ والانحراف، كيف لا وهي شريعة تمتاز بالشمولية، فاللُحمة بينها وبين الأخلاق ضرورة لا غِنى عنها، ولا سيما حين تخرج الشريعة من أسر النظرية إلى سِعة الحياة، ولا يختلف اثنان من أنها شريعة تحمل برنامجا متكاملا، وخطة عمل كاملة من فجر اليوم إلى فجر اليوم الآخر، شريعة تعالج كل مشكلة، وتقف بالمرصاد لكل معضلة بشموخ شموليتها وثقة مصدريتها، فلا مجال للصدفة، ولا مجال للتردد في مواجهة النوازل.

شريعة غراء نظّمت كل جوانب الحياة، فلم تُغادر عملاً بلا غاية، فكل ما يصدر عن التابع لهذه الشريعة من قول أو عمل له في قرارة النفس مرجعية، وعينه ترنو الى يوم لا مفر منه، ونفسه تتوق الى يوم يأمن فيه من الخوف ويتحاشى فيه الحزن، اللذان لا تستقيم معهما حياة في الدنيا، فضلاً عن اليوم الآخر حيث الحياة السرمدية، وهذا ما وعد الله به عباده وبشكل متكرر «لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون».

شريعة جاءت للإنسان كإنسان وكذات مُفكرة، تملك الوجدان النابض المُوجه للخير، وإنسان كجسد له ما له من متطلبات، من هنا كان التوازن العظيم الدقيق، وهذا ما يُدعى بنظام الحياة، والذات المُفكرة ممثلة بالفقهاء بدرجة خاصة تصدت لكل نازلة وهذا أمر لا مفر منه، ولا غنى عنه، لتطور الحياة مع تعاقب الأعوام.

إذن هي شريعة إنسانية بامتياز، وبنظرة فاحصة لمقاصدها يدرك المرء أنها إنسانية بكلياتها وجزئياتها، بظاهرها وباطنها، بقواعدها وفروعها، وكونها إنسانية، فهي شريعة دينامكية متحركة، مستوعبة للجديد، وبعيدة كل البُعد عن الجمود والاستاتيكية البغيضة، أُصولها علوية قرآنية المصدر ومقدسة، وترجمتها بنسختها الأرضية الأُولى كانت محمدية نبوية نقية «أرضية» بنى على ضوئها عليه السلام، الدولة الأُولى الحاضنة للرسالة والحامية لها، فكانت آثارها الإشعاعية بادية وجلية على الأفراد من المؤمنين بها، والآخر الذي لم يؤمن بها، وكل تعايش على أرض المدينة المنورة، بدستور الصحيفة التي خطها الرسول الكريم، وانطلقت الدولة تبني وتُبشر بالحرية، وتحرص على الإنسان، غير ناظرة إلى معتقده.

جُملة الأفكار السابقة ستظل أفكارًا نظرية جامدة لا تسمن ولا تغني من جوع من دون رافعة أخلاقية، تُشهر هذه التعليمات التي أُريد بها رِفعة الإنسان والسمو به إلى رِحاب الإنسانية، وفقًا لخارطة طريق قرآنية، لا يزيغ عنها إلا هالك وشقي. 

الشمولية والديناميكية ضلعان لا يستقيم المثلث إلا بالواقعية ذلك الضلع الثالث، وفي واقعيتها كمنت حياتها واستمراريتها، لم تتنكر لأي جانب من جوانب الحياة على كل الأصعدة، ففي العبادات لا تخفى المرونة على كل مُلاحظ، ولم يُستثنى من ذلك حتى الأركان الأساسية، فلا صيام على مريض ولا مسافر، ولا حج إلا لمن استطاع إليه سبيلا، والصلاة وقوفًا وركوعًا وسجودًا ليست فرضًا لازمًا على من لديه عِلة جسدية تُعيقه، أو تزيد من ألمه، وعليه يمكن قياس كل جوانب الحياة، وهذا يمكن تكثيفه في «الرخصة» أو ما يسمونه المرونة، التي تعود بالخير على الإنسان والإنسان وحده.

شريعة إنسانية بروحها ونصها، بظاهرها وباطنها، بشموليتها وواقعيتها، برخصها وعزائمها، بقطعياتها والاجتهاد على ضوء تلك القطعيات، لجديرة بالحياة وجديرة بالالتزام بها.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news