العدد : ١٥٥٢٤ - الأربعاء ٢٣ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٦ صفر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٢٤ - الأربعاء ٢٣ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٦ صفر ١٤٤٢هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

لا تنجلط بسبب الإنترنت

ظهرت في السنوات الأخيرة علل تسببت فيها المخترعات التي تهدف الى جعل الحياة سهلة، وآخرها الآلام التي تنجم عن خلل في فقرات العنق التي يعاني منها مدمنو تطبيقات الهواتف الذكية، عبر خدمة الانترنت التي هي عصب واتساب وتويتر وانستغرام ويوتيوب وتليغرام وزوم وما الى ذلك من وسائط يسبب استخدامها الإدمان.

سارا تومبسن طالبة بريطانية مجتهدة، ظلت منذ بداية العام الدراسي الحالي وبرغم أنها بسبب الانحباس الاضطراري لتفادي الإصابة بالكورونا غير مطالبة بأداء فروض وواجبات مدرسية معينة كما هو الحال عندما تكون المدارس مفتوحة، ظلت تمضي نحو عشر ساعات موزعة على فترتين: مسائية وصباحية في استذكار الدروس، على أمل إحراز درجات تؤهلها لدخول جامعة محترمة، ثم نشرت الصحف البريطانية قبل أسابيع قليلة صورا لسارا وهي تمشي على عكازتين، وكان ذلك بعد ان نجت من الموت بأعجوبة. والسبب: «المذاكرة»، فالجلوس على كرسي عشر ساعات لعدة أيام متتالية سبب لها جلطة الشريان العميق في الساق (دي. في. تي. وهي اختصار لـdeep vein thrombosis).. وسارا هذه تبلغ من العمر 18 سنة وليس بجسمها الرشيق حمولة زائدة من الشحوم قد تفسر حدوث الجلطة (التي يحسب معظمنا خطأً أنها تصيب فقط البدناء).

قبل سنوات أصيب صديق لي بجلطة مماثلة وزرته في المستشفى ووجدت زوجته وسألتها: الزول ده لا يدخن ولا يسهر ولا يسكر ولا يرمرم عند الأكل وما شاء الله عليه رشيق القوام، فكيف تعرض لجلطة؟ كان ردها عجيبا: سبب الجلطة.. الصلاة!! لم يكن الوضع يتحمل الهذر (الهزار) فنظرت إليها باستنكار، فواصلت الحديث: صاحبك ده يروح المسجد قبل صلاة العصر بنصف ساعة، ولا يغادره إلا بعد صلاة العشاء، ويقضي الفترات التي تتخلل الصلوات في قراءة القرآن.. ولم أستوعب كلامها.. وفي تلك الأثناء دخل علينا الطبيب المختص وكنت أعرفه جيدا، وسألته عن حال صديقي المريض، فردد نفس الكلام عن «الصلاة»، ولكن مع توضيح أن الجلوس في المسجد أو غير المسجد ساعات طويلة في وضع السجود أي الجلوس فيما يسمى القرفصاء (وليس الصلاة في حد ذاتها) لا يختلف عن الجلوس بلا حركة في طائرة خلال رحلة طويلة وإن ذلك يسبب جلطة الشريان العميق دي. في. تي.

ولن أقول مبروك للطلاب الذين يكرهون المذاكرة لأن حالة سارا تومبسن أثبتت أن المذاكرة ضارة بالصحة، بل «قاتلة»، بل أنبههم فقط إلى أن الإفراط في كل شيء يؤدي الى التفريط في أمور كثيرة، من بينها فيما يتعلق بواقعة بنت تومبسن «الصحة»، وكما نقلت أعلاه على لسان الطبيب فإن الأمر يتعلق بعدم تحريك الساق والأقدام لتنشيط الدورة الدموية ساعات طويلة متصلة، ولهذا قد يصاب بالجلطة الشخص الكسول الذي يلزم السرير 15 يوما وهو يتوحوح ويئن ويطن ويزن لأن «الكحة» لم تفارقه، وقد يصاب بها المرضى الذين تتطلب حالتهم الصحية لزوم السرير فترات زمنية طويلة (ما لم يقم الأطباء بإجراءات احترازية).

في زمننا العجيب هذا لم تعد أمراض مثل السكري وارتفاع ضغط الدم وآلام الظهر والجلطات محصورة في كبار السن، فمع انتشار الوجبات السريعة وتوافر وسائل الترفيه التي تتطلب الاسترخاء والجلوس طويلا، صار هناك أطفال في سن العاشرة يعانون من «الضغط» وأمراض القلب والشرايين. في الصين مات شاب في العشرين من العمر لأنه كان يجلس يوميا عشر ساعات متتالية مستخدما الانترنت، وذات يوم وجدوه ميتا على كرسيه أمام الكمبيوتر واتضح انه أصيب بجلطة مفاجئة في غياب أهل البيت، فكانت القاضية.

ولا أخاف على عيالنا من المذاكرة لساعات طويلة، بل من الجلوس أمام الكمبيوتر أو مسمّرين أمام شاشات هواتفهم معظم ساعات يقظتهم. وتجد من يدمن الانترنت وخاصة شبكات التواصل الاجتماعي سعيدا لأن لديه 687 أو 7004 أصدقاء يقضي معظم الوقت وهو يتونس معهم. ولكن يا حبيبتي ويا حبيبي ليس بين هؤلاء «صديق» واحد حقيقي.. من هم أولى بوقتك وينبغي لك ان تتواصل معهم اجتماعيا موجودون حولك ويحبونك حقيقة وسيسعدهم أن تخاطبهم وجها لوجه. وعيب يا جماعة أن يحمل شخص ما طعامه ليتناوله وهو يتخبط في الشبكة العنكبوتية بدلا من أن يتناوله مع بقية أفراد العائلة!!

(وأعترف على استحياء بأنني أعاني من شدّ مؤلم في إصبعي السبابة بسبب مسح شاشة الهاتف لاستعراض ما يرد إلي من رسائل واتساب او تعليقات في صفحتي في فيسبوك).

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news