العدد : ١٥٥٢٤ - الأربعاء ٢٣ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٦ صفر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٢٤ - الأربعاء ٢٣ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٦ صفر ١٤٤٢هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

حكاية رجل جعل لحافه قصيرا

كانت زبدة مقالي بالأمس هنا أن من لا يعيش قانعا في حدود إمكانياته، وأن من لديه إمكانات مادية وفيرة ويمارس السفه في الإنفاق, قد ينتهي به الحال وهو يسرق أو يتسول الخبز، وإليكم اليوم حكاية عن أمر مخالف لكل ذلك وتتعلق بالخواجة البريطاني مارك بويل، الذي عاش سنة كاملة دون ان ينفق بنسًا واحدا، (الصحيح أن يقال «بيني» واحد Penny لأن بنس هي صيغة الجمع لبيني) وقد قضى بويل تلك السنة في مقطورة (كرفان) وكان يأكل من النباتات الموجودة حوله، ويستخدم أعواد الشجر لتنظيف أسنانه، ويدفئ الماء بالطاقة الشمسية، ويلتقط ملابسه من مقالب القمامة (لا تقل يييييخخخخخخ، لأن الخواجات ليسو مثلنا يضعون كل أنواع القمامة في برميل واحد، بل هناك برميل مخصص للمواد الورقية وآخر للبلاستيك وثالث للزجاج ورابع للأقمشة وخامس لبقايا الطعام والأوساخ المنزلية البسيطة). وهذا الرجل الذي قرأت عنه السطور أعلاه وأحسست- أيها القارئ بالقرف- يحمل درجة جامعية رفيعة في الاقتصاد من جامعة بريطانية مرموقة وعمل في مجال التجارة ولديه مدخرات لا بأس بها، ولكنه قرر خوض التجربة ليرى ما إذا كان الإنسان قادرا على ضغط المنصرفات إلى أدنى حد، ونجح بالفعل في أن يجعل مصروفاته «صفرا» فقد كان يؤدي الأعمال الموكلة إليه طوال تلك السنة مستخدما كمبيوترا يعمل بالطاقة الشمسية.

ما أراد بويل إثباته ليس أنه بإمكاننا جميعا ان نعيش «أوانطة» دون إنفاق أي نقود، بل أنه من الممكن لنا ان نعيش حياة طبيعية وسوية لو استغنينا عن كثير من الأشياء حولنا، أو اكتفينا فقط بالضروريات وبعض الكماليات. فإذا كان هناك جهاز هاتف موبايل قيمته 50 دولارا يبعث ويتلقى المكالمات والرسائل، فما الحاجة إلى جهاز يؤدي نفس تلكما الوظيفتين بـ700 أو حتى 150 دولارا؟.. شاب يحمل شهادة جامعية وأمله في الحصول على وظيفة كحلم العرب بهزيمة إسرائيل، ويتسلم مصاريف «الجيب» من ماما وبابا أو الأخ/ الأخت الكبرى: لماذا يرتاد المقاهي والمطاعم الفاخرة ذات أسعار المشروبات والمأكولات الباهظة بانتظام؟ لماذا ينفق فلوس غيره في الأناقة والقيافة؟ أنا لا أطالبه بأن يكون مبهدلا، ولكن بأن يرتدي بنطلون الجينز الواحد شهرين متتاليين، وبدون غسيل (قد يستنكر بعض العواجيز هذا الاقتراح لأنهم لا يعرفون أن معظم أصحاب الجينز لا يغسلونه أكثر من مرتين في السنة، لأن «الموضة» تقضي بأنه كلما كان الجينز مبرقعا بل وبه العديد من الثقوب كلما كان ذلك دليلا على ان من يرتديه «كووول» ومواكب للعصر»)

شخصيا حكاية مارك بويل نبهتني إلى شيء عجيب: أنا أقل أفراد أسرتي نصيبا من دخلي الشهري.. أي والله العظيم.. لا أنفق على نفسي إلا قيمة بنزين السيارة، وما عدا ذلك ليس عندي نفقات يومية أو شهرية. ستقول: طيب يا أبو الجعافر يا شاطر، وهل تأكل ببلاش؟ وردي على هذا السؤال البايخ هو أنه حتى نصيبي من الأكل الذي أدفع قيمته، أقل من نصيب بقية أفراد أسرتي، فالوجبة الأساسية في حياتي اليومية هي الغداء، وبما أن ذوقي في الطعام «بلدي» وبما ان هذا النوع من الطعام عادة قليل الكلفة فإنني أيضا «قليل الكلفة»، والجماعة في البيت يعلنون كذا مرة في الأسبوع «زهجنا وقرفنا من أكل البيت»، ويشترون الأكل من المطاعم على حسابي، بينما أهون على قلبي ان التهم قطعة كوسة غير مطبوخة مغموسة في الخل من أن اضع في جوفي طعاما مستجلبا من مطعم (ومعروف أنني أكره الكوسة أكثر من نفوري من الممثل فاروق الفيشاوي رحمه الله وسامحني). ولو كان الأمر بيدي لاكتفيت بـ4 بنطلونات جينز وكذا قميص، ولكن زوجتي تقوم بعملية جرد ربع سنوية لملابسي وتتبرع بمعظمها للأيتام وتفرض علي ملابس جديدة تشتريها بنفسها (بس بفلوسي).. طبعا هناك فاتورة هاتفي! ولكن لو قارنت قيمتها بقيمة فواتير الجماعة فستحسب أنني «مقطوع من شجرة».. الجميل في الموضوع هو أنني لا أحس بأنه «ناقصني شيء» بل ربما أكثر أفراد عائلتي اقتناعا بالقليل الذي عندي.

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news