العدد : ١٥٥٢٨ - الأحد ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٠ صفر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٢٨ - الأحد ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٠ صفر ١٤٤٢هـ

قضايا و آراء

مـستقـبـل الـتـعـلـيم فـي ظل وبعد جائحة كورونا (1)

بقلم: د. خالد أحمد بوقحوص

الأربعاء ٠٥ ٢٠٢٠ - 02:00

أدى انتشار فيروس كورونا إلى صدمة مفاجئة وقوية لدى المجتمعات والدول، صدمة لم يشهد لها مثيل خلال القرون والسنوات السابقة، فجعت العالم بسرعة انتشار المرض، فشلت حركته وأفقدته اتزانه، وعطلت حركته، وهزت اقتصاده، وعطلت تنميته، وأوقفت الأعمال، وباعدت اجتماعيا بين الأفراد، وأثارت الرعب والحذر لدى المجتمعات، فتركت آثارا واضحة على الاقتصاد والسياسة والاجتماع بل على مختلف مناحي الحياة.

ومن المجالات التي فوجئت وتأثرت إلى درجة كبيرة بهذه الجائحة قطاع التعليم في معظم دول العالم عموما، والدول العربية والخليجية خصوصا، وإن كان هناك تفاوت بين الدول في هذا المجال إلا أن كل أنظمة التعليم في مختلف دول العالم تأثرت بهذه الجائحة.

ووفق إحصاءات مجموعة البنك الدولي بتاريخ 28 مارس 2020 تسببت جائحة فيروس كورونا في انقطاع أكثر من 1.6 مليار طفل وشاب عن التعليم في 161 بلدا، أي ما يقرب من 90 بالمائة من الطلاب الملتحقين بالمدارس على مستوى العالم.

أما في مملكة البحرين، فبحسب إحصائيات اليونسكو، فقد توقف 247.489 تلميذا عن الذهاب إلى المدارس في التعليم العام و44.940 طالبا من طلاب الجامعات عن الذهاب إلى جامعاتهم.

فأحدثت هذه الجائحة قلقا عميقا وفوضى عارمة في العديد من الأنظمة التعليمية من توقف الدراسة وانقطاع الطلبة عن الذهاب إلى مدارسهم وكلياتهم ومؤسساتهم التعليمية، وانتظار هذا الكم الهائل من الطلبة في المنازل، ما أدى إلى ضغط كبير على الأنظمة التعليمية في إيجاد حلول وبدائل سريعة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى ضغط أولياء الأمور والمجتمع وخوفهم من ضياع السنة الدراسية من حياة أبنائهم الطلبة من دون الحصول على نتيجة هذه السنة التعليمية، لذا كان من أولويات الأنظمة التعليمية في مختلف أنحاء العالم هو أن حصرت جهودها في استكمال العام الدراسي فقط بأي وسيلة وطريقة ممكنة.

أدى هذا بمعظم الأنظمة التعليمية إلى الانتقال مباشرة إلى التعليم الالكتروني أو التعلم عن بُعد من خلال اختيار منصات تعليمية إلكترونية لبث الدروس من خلالها والتفاعل المباشر مع الطلبة، أو من خلال التعلم عن بعد من خلال بث دروس مسجلة والطلب من الطلبة العمل على بعض الواجبات أو المشاريع عن بعد والتواصل غير المباشر معهم.

ولكن لأن العديد من المجتمعات فوجئت بهذا الانتقال السريع إلى التعلم الإلكتروني وهي غير مهيأة تماما للتعامل معه، وهي التي كانت تدعي أو تتباهى -وخاصة بعض الدول العربية- بتوظيف التكنولوجيا في العملية التعليمية وبدخولها عصر التقنية الحديثة من أوسع أبوابها وتوظيفها في التعليم وسعيها الحثيث على أتمتة المدارس والجامعات واستخدام التعليم الالكتروني في التعليم وتوظيفه في العملية التعليمية التعلمية، إلا أن هذه الجائحة كشفت غير ذلك، فقد أبرزت العديد من نقاط الضعف والقصور تجاه توظيف التقنيات الحديثة في التعليم لدى العديد من تلك الأنظمة التعليمية العربية، حيث إنها من سرعة الحدث والمفاجأة لم تتمكن من توظيف التعليم الالكتروني مباشرة بل لجأت إلى استخدام التعلم عن بعد في صورته الأولية والمتمثلة في بث أو إيصال الدروس المتلفزة والمواد المرسلة عبر الأدوات التقليدية، بعيدا عن التفاعل المباشر، وربما استمر هذا الوضع فترة من الزمن حتى استوعبت تلك الأنظمة الصدمة وبدأت الرجوع إلى توظيف التعليم الإلكتروني وغيرها من الأدوات الحديثة.

وقبل الشروع في رسم بعض ملامح مستقبل التعليم في ظل أو بعد جائحة كورونا علينا أن نصف الواقع ونحدد أبرز أو أهم المشكلات التي واجهت الأنظمة التعليمية نتيجة الجائحة، والتي شكلت تحديات أمام هذه الأنظمة التعليمية في توظيف التقنية في التعليم، وتحديدا استخدام التعليم الإلكتروني الذي لجأت معظم أنظمة العالم إليه كبديل للتعليم التقليدي والتي يمكن إيجاز بعضها فيما يلي:

عدم جاهزية البنية التحتية: وتمثل ذلك في أن العديد من الأنظمة التعليمية لم تكن بنيتها التحتية جاهزة لاستقبال التعليم الالكتروني مثل توصيل كل المدارس والطلبة والمدرسين بالإنترنت، سرعة الشبكة وفعاليتها في إيصال المواد التعليمية والنقل المباشر ولعرض الدروس والأفلام التعليمية عليه، وعدم وجود منصات وطنية للتعليم للتواصل مع الطلبة والتفاعل المباشر معهم، بالإضافة إلى عدم وجود عدد كاف من الأجهزة لدى كل من المعلمين والطلبة، بالإضافة إلى نقص العديد من التجهيزات الفنية التي يحتاج إليها هذا النوع من التعليم. 

ضعف الدعم الفني: حيث يحتاج استخدام وتوظيف التعليم الالكتروني، وخاصة المباشر إلى دعم فني مناسب ومستمر لحل المشكلات ودعم كل من المعلم والطالب وأولياء الأمور أثناء استخدام هذا النوع من التعليم ووجود مكتب للمساعدة أو ما يسمى Help Desk يستقبل كل التساؤلات ويساعد على حل كل المشكلات التي قد تعترض كل من يستخدم هذا النوع من التعليم.

الوضع المادي والتقني للطلاب: حيث يحتاج هذا النوع من التعليم إلى بعض التجهيزات لدى الطلبة ولعل من أبرزها وجود جهاز للتعلم الالكتروني سواء من خلال الحاسوب أو الهاتف ويكون مجهزا بالبرنامج والمواصفات المطلوبة بالإضافة إلى تدريب الطلبة على استخدام هذا النوع من التعلم، وهذا يشكل عقبة أو تحديا لدى بعض العائلات من ذوي الدخل المحدود، والتي تمر بظروف مادية صعبة، وخاصة في ظل انتشار جائحة كورونا.

عدم تهيئة أولياء الأمور: لأولياء الأمور دور مهم في متابعة أولادهم في التعليم وتدريسهم ومساعدتهم فيما يصعب عليهم من الدروس في التعليم التقليدي، ولكن العديد من أولياء الأمور غير معتاد على هذا النوع من التعليم، وهو ما يسبب نوعا من القلق لديهم في متابعة الأبناء، وبالتالي فهم يحتاجون إلى الدخول في دورات تربوية حول كيفية مساعدة آبائهم في استخدام وتوظيف هذا النوع من التعليم.

زيادة معدلات التسرب: لوحظ مع استخدام هذا النوع من التعليم زيادة معدلات تسرب الطلبة من متابعة دروسهم والقيام بما هو مطلوب منهم وذلك لصعوبة ضبطهم وضبط تعلمهم، وقصور الأساليب التي يمكن أن تستخدم في متابعتهم في التعلم.

ضعف القوانين والسياسات: لا توجد لدى العديد من الأنظمة التعليمية قوانين وسياسات مدرسية تضبط التعليم الالكتروني أو حتى التعليم عن بعد، فلا توجد سياسات أو قوانين تنظم استخدام هذا النوع من التعليم مثل ضوابط الحضور والالتزام بهذا النوع من التعليم، وحل الأنشطة والتمارين التعليمية، وإدارة الامتحانات، ودرجة التزام المعلمين بالتفاعل المباشر مع الطلبة، وتوزيع الدرجات، وغيرها الكثير من الأنظمة والقوانين الضابطة للعملية التعليمية التي يمكن أن تستخدم هذا النوع من التعليم.

زيادة الأعباء على المعلمين: استخدام التعلم الالكتروني يزيد العبء على المدرسين لأنهم سيكونون على اتصال مستمر مع الطلبة بصورة فردية أو جماعية للإجابة عن تساؤلاتهم ومتابعة استفساراتهم أو مناقشاتهم بالإضافة إلى متابعة الأنشطة والتمارين وتصحيحها أولا بأول، بالإضافة إلى إعداد عرض إلكتروني للدروس المقررة على الطلاب، ما يأخذ وقتا طويلا في هذا الإعداد، بالإضافة إلى متابعة المتأخرين منهم أو الذين يحتاجون إلى عناية خاصة ومتابعة. كل ذلك سيزيد العبء على المعلمين هذا إذا أردنا أن نستخدم التعليم الالكتروني بصورة صحيحة وفعالة، مما قد يؤدى إلى تذمر عدد من المعلمين بسبب زيادة الأعباء، وخاصة إذا استخدمنا النظام الهجين بين التعليم التقليدي والإلكتروني.

تأهيل المعلمين وتغيير الأدوار: يحتاج هذا النوع من التعليم إلى إعادة إعداد وتأهيل المعلمين لتزويدهم بالمهارات الأساسية للتعامل مع هذا النوع من التعليم، فهم يحتاجون أولا إلى اكتساب مهارات التدريس من خلال التعليم الالكتروني والتعلم عن بعد وكيفية التعامل مع هذا النوع من التعليم والتكنولوجيا المصاحبة معه، والتدرب على المنصات التعليمية التي سيتواصلون بها مع الطلبة. وكذلك يحتاج المعلمون إلى التدرب على طرق التدريس والاستراتيجيات التي تتناسب مع هذا النوع من التعليم والابتعاد عن الطرق التقليدية حتى نصل إلى تحقيق الأهداف والنتائج التربوية التي نطمح إليها من خلال تعليم الطلبة. 

إشكالية التقويم وأساليبه: يحتاج هذا النوع من التعليم إلى نوع مختلف من الامتحانات غير التي تعود عليها الطالب والمعلم، والتي تركز بالدرجة الأولى على التقويم النهائي أو التجميعي للدرجات من خلال الاختبارات النهائية والقصيرة، وإنما يجب التحول والتأكيد على استخدام التقويم البنائي أو التكويني، والتقويم المعتمد على الأداء، وهذا يحتاج إلى جهد وإلى تدريب لكل من المعلمين والطلبة عليه حتى تكون النتائج صحيحة والدرجات معبرة عن مستوى الطلبة الحقيقي وما تعلموه فعلا خلال الفصل الدراسي.

عرض المحتوى الدراسي: المحتوى الدراسي والمتمثل في الكتب الدراسية غير مناسب للتدريس والعرض من خلال التعلم الإلكتروني بصورته الحالية، فهناك معايير عالمية معروفة لعرض المحتوى الدراسي ودراسته ومتابعته من قبل الدارسين من خلال العرض والتعليم الإلكتروني، ولذا فإذا أردنا الانتقال إلى التعلم الإلكتروني بمعاييره العلمية علينا معالجة المحتوى الدراسي لكي يعرض بصورة تناسب هذا النوع من التعليم.

صعوبة تعليم المهارات العلمية والعملية: ومن الصعوبات التي برزت عند التعامل مع هذا النوع من التعليم هو تدريب الطلبة على المهارات العملية والعلمية التي تحتاج إلى توفير الأدوات والمختبرات والأجهزة لتمكين المتعلمين من هذه المهارات المطلوبة، والتي يجب أن نجد بديلا مناسب لتمكين الطلبة منها.

لعل هذه بعض أبرز المشكلات والتحديات التي تواجه التعليم الالكتروني والتعلم عن بُعد في هذه المرحلة الحرجة مع انتشار جائحة كورونا، والتي تحتاج منا إلى أخذها بعين الاعتبار عند التعامل وتطبيق هذا النوع من التعليم والتعلم.

وبعد هذا العرض سننتقل في المقال القادم إلى رسم ملامح مستقبل التعليم في المرحلة القادمة وأبرز التغييرات والسمات التي ستحدث للتعليم والتعلم أثناء وبعد جائحة كورونا.

khalidbQ@gmail.com 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news