العدد : ١٥٥٢٨ - الأحد ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٠ صفر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٢٨ - الأحد ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٠ صفر ١٤٤٢هـ

قضايا و آراء

خروج من التقليد إلى الابتكار والإبداع

بقلم: د. محمد عيسى الكويتي

الأربعاء ٠٥ ٢٠٢٠ - 02:00

يتحدث البعض عن المجتمعات الخليجية ويصفها بأنها مجتمعات تقليدية تتعرض لموجة من التحرر وكسر الثوابت، وأن هذه الموجة تهدد قواعد المجتمع وتدعو إلى التحرر. يفهم من ذلك أن هناك جهة تقوم بهذا الهجوم وهي الغرب. يركز الحديث فقط على السلوك وعلى النزعة في تقليد الغرب ما أطلق عليه البعض«الانحلال». ويرى هؤلاء أن التوجه يسير نحو مجتمع الستينات والسبعينات واصفين تلك الفترة «بالانحلال الأخلاقي». 

يركز الملاحظون لهذا السلوك على اللباس بشكل خاص والحجاب والعلاقات بين الرجل والمرأة. ويتكلمون عن تراجع التأثير الديني وخفوت نجم الوعاظ وفتح الساحة لأفكار ومظاهر مختلفة عن ما عهدته المنطقة. ويعتقدون بأن ذلك هو تغلغل لمفاهيم الليبرالية الاجتماعية المتطرفة التي تمجد الفردية وتفضلها على رأي الجماعة وتشجع الحريات الشخصية المطلقة. وقد يتطور الأمر إلى مزيد من التنازلات للمرأة مع الخوف من أن يؤدي هذا التغيير الاجتماعي إلى تغيير سياسي. 

إذا كان المجتمع التقليدي يعني المجتمع الجامد الذي لا يقبل بالحداثة والتغيير فهو مجتمع لا يحتوي عناصر البقاء والاستمرار لأن التغيير هو سنة الحياة ولا يمكن للجمود أن يستمر. التغيير والعلم والمعرفة التي نحتاجها اليوم لدخول العالم المتحضر والمتقدم هو تغيير طريقة التفكير العربية والخليجية وتفكير الإنسان العربي. كيف تتغير العقلية العربية التي وضعت لها حدودا لا تقبل فيها النقاش مما يضيق على العقل والفكر. ذلك أن رفض النقاش في أي موضوع هو جمود يرفض التقدم والحداثة، ويميت الإبداع والابتكار. التغيير يبدأ بإنشاء فكر نقدي في المدارس. التغيير ليس ضد الدين، وليس ضد أي عقيدة وإنما هو تحرير الإنسان لكي يعتقد ما يؤمن به على قدم المساواة. والقبول بالاختلاف والتعدد الفكري والسلوكي ورفض الوصاية على أي أحد ضمن القانون المقرر مجتمعيا. 

المشكلة التي تطرح لها أكثر من جانب. الجانب الأول يتناول سلوكا شخصيا، وجانب آخر يتناول سلوكا مجتمعيا. وجانب ثالث يتكلم عن علاقة الدولة بالمجتمع. في الشق الشخصي نقول إن المجتمعات الخليجية تقتبس وتقلد من دون وعي، فالمسألة قد تأخذ وقتا أطول كي يدرك الشباب أن حتى الغرب بدأ يتصدى لمفاهيم غير محمودة. والجانب الثاني مجتمعي يرى أن المجتمعات سوف تبدأ بالمطالبة بتحولات سياسية على النمط الغربي لم تعهدها وغريبة عن عاداتنا وتقاليدنا. والجانب الثالث يتعلق بالعلاقة بين الدولة والمجتمع.

بالنسبة إلى الجانب الأول المتعلق بالسلوك الفردي فقد لا يتفق كثيرون على أن الستينيات كانت فترة انحلال، فكثير منا عاش تلك الفترة وكانت لها قيمها وأخلاقياتها ولباسها. واختلاف الآراء الفقهية حول اللباس موجود منذ بداية النهضة العربية في نهاية القرن التاسع عشر. الأهم من ذلك هو أن اختزال الأخلاق في السلوك الفردي واللباس فقط هو ما يمثل مشكلة، ليست خليجية فحسب بل عربية. إن معالجة مشكل الأخلاق هو في تعليم مادة الأخلاق في المرحلة الابتدائية لتسليح الشاب ليس فقط بقيم أخلاقية ولكن لكي يعرف كيف يتخذ القرار الأخلاقي، وعدم الاعتماد فقط على دروس الدين.

نرى اليوم أن هناك من يؤدي جميع الشعائر لكنه لا يرى أن قبول الرشوة يتعارض مع الدين بل إنه قد يقبلها وهو صائم في رمضان. وآخر يتعدى على المال العام طوال أيام السنة من دون أن يعتبر ذلك له علاقة بالأخلاق، أو أن يقول الزور من دون واعز أخلاقي بعد أن يؤدي صلاة الفجر في جماعة. نحن بحاجة إلى تأصيل القيم الإسلامية الإنسانية من خلال دروس الأخلاق ومنطق صنع القرار الأخلاقي، الأخلاق أشمل وأعم من مجرد السلوك الشخصي. الأخلاق ترتكز على قيم إنسانية إسلامية، «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، فقبول الظلم ليس من الأخلاق ونصرة المظلوم من الأخلاق.

أما الجانب الثاني من الكتابات فيرى أن العالم يتجه نحو التقوقع في الدولة الوطنية في مقابل تراجع العولمة، ليس من المعقول أن تتراجع العولمة فهذه حركة تقدم علمي تسير وفق نظرية معرفية في القرآن وفي العلم. السؤال هو ليس كيف نحمي مجتمعاتنا واقتصادنا من تأثيراتها السلبية. التاريخ يقول إن الحضارة الأقوى هي التي تؤثر في الحضارات الأضعف. لذلك السؤال اليوم هو ليس كيف نتقوقع لنحمي أنفسنا من العولمة، ولكن كيف نساهم في بناء الحضارة الإنسانية؟ وهل يمكن أن نساهم بهذه العقلية التي ترفض التفكير العلمي القائم على التجربة والبرهان وعدم استقرار المعرفة، وأنها في تغير وتطوير مستمر.

المساهمة في الحضارة تعني تغيير طريقة تفكيرنا، تقتضي مراجعة تاريخنا وتراثنا وعدم الإصرار على مفهوم «إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ». هذه العقلية لا يمكن أن تدخل في عالم المعرفة الذي يسود اليوم، ولن تتمكن من التأثير على الآخرين.

يتعلق الجانب الثالث بمفهوم الدولة وعلاقتها بالمجتمع. مفهوم أن «الدولة المحايدة» هي كيان مستقل عن السلطة وعن فئات المجتمع وملك الجميع لم يتبلور في الوطن العربي. يقوم هذا المفهوم على أن مكونات المجتمع هي القبائل والأعراق والإثنيات والطوائف وبالتالي فإن أي طرف يتمكن من السيطرة على الدولة واستخدامها لتقديم مصالحه على الآخرين هو يؤسس لصراع سياسي. وبغض النظر عن هوية المجتمع وتقاليده وعاداته فإنه سيصل إلى وضع تصل المتناقضات فيه إلى حد تهديد الاستقرار. وإذا أرادت أي طبقة التمسك بالسيطرة على الدولة فإن ذلك بالضرورة سوف يعتمد على التجهيل وجر المجتمع نحو الصراع، ومتى ما حدث ذلك أطبق الجمود على المجتمع وتوقفت عجلة الإبداع والابتكار. النتيجة، وإن تأخرت، لا بد أن تصل إلى المآل نفسه وهو الصراع المؤجل، لذلك فإن خياراتنا محدودة، واحدها هو النهوض بالمجتمعات فكريا ومعرفيا وتأسيس المجتمع على مبادئ المشاركة وعلى تعليم الفلسفة والفكر النقدي والأخلاق وليس فقط ممارسة أخلاق شكلية.

mkuwaiti@batelco.com.bh

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news