العدد : ١٥٥٢٢ - الاثنين ٢١ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٤ صفر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٢٢ - الاثنين ٢١ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٤ صفر ١٤٤٢هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

لا تبسطها كثيرا ولا تجعلها مغلولة

أذكر جيدا كيف ارتفعت صيحات الاستنكار والإنكار خلال الفترة من سبعينيات القرن الماضي حتى مطلع القرن الحالي عندما كانت الصحف البريطانية تترصد فضائح السياح العرب، الذين يتم إلقاء القبض عليهم وهم يسرقون سلعا من المتاجر البريطانية.. لم تكن مؤامرة تهدف إلى التشهير بالعرب، بل كانت هناك قضايا ثابتة أسفرت عن إدانات وغرامات وأحكام بالسجن، ولكن الاعلام العربي المدمن لنظرية المؤامرة اعتبر ذلك افتراءً وتشهيرا ظالما.

في كل الجنسيات والبلاد والملل والنحل تحدث مثل تلك السرقات، وأكثرها رواجا ان يدخل إنسان متجرا للملابس الجاهزة ويختار بعضا منها ويدخل غرفة «القياس» ويترك ملابسه القديمة بداخلها ويغادر المتجر مرتديا الملابس الجديدة من دون دفع ثمنها.. ووقع بعض العرب وغير العرب السذج وضعاف النفوس في قبضة الشرطة لأنهم لم يكونوا يعرفون بأمر الكاميرات التي تغطي كافة أركان المتاجر الكبرى في البلدان المتقدمة صناعيا واقتصاديا... وبعض الناس يمارسون السرقة، ليس عن حاجة، ولكن لأنهم يعانون من اضطراب نفسي اسمه كليبتومانيا kleptomania وهو ما أدخل ممثلة هوليوود المعروفة وينونا رايدر السجن بعد ضبطها وهي تسرق ملابس داخلية لا تزيد قيمتها على 200 دولار رغم أن رصيدها المصرفي كان يفوق 200 مليون دولار، والتاريخ يعرف أنظمة حكم كليبتوكراسي أي قائمة على اللصوصية.

خلال الأشهر العشرة الأولى من عام 2019 الجاري تعرضت المتاجر في بريطانيا لسرقات سلع من قبل الزبائن بقيمة عشرة بلايين (بالباء) دولار، ولكن الظاهرة الجديدة في أوروبا بحسب دراسة أجراها مركز أبحاث تجارة التجزئة هي أن المنتمين الى الطبقة الوسطى انضموا الى قائمة لصوص المتاجر. والطبقة الوسطى هي تلك الواقعة بين الأغنياء ومحدودي الدخل. ولأن من ينتمون إليها يصنفون كـ«مبسوطين» بمعنى أنهم في بسطة من العيش (المريح) فإن الأزمات الاقتصادية المتلاحقة نزلت ببعضهم درجة فصاروا من ذوي الدخل المحدود، فصاروا من ثم يدخلون المتاجر لسرقة شرائح اللحم والملابس والمواد الاستهلاكية الفاخرة، وتلك مصيبة من لم يسمع أو يعمل بـ«اخشوشنوا فإن النعم لا تدوم».. هذا حديث نبوي شريف ينبغي لكل إنسان بغضّ النظر عن ديانته أن يعلقه قلادة على عنقه، فدوام الحال من المحال. وعلى شريحة كبار الموظفين بالتحديد أن تتذكر ذلك الحديث وتفهم مقاصده: راتبك كبير وبيتك كبير ويحرسه خفير وصديقك وزير وفِراشك حرير ونسيت عصر الفخار والزير. ولكن تذكّر دائما أن الوظيفة قد تطير، وتضطر إلى العيش على مدخراتك إلى حين الحصول على وظيفة جديدة، وقد تحصل بعد أشهر على وظيفة دون وظيفتك السابقة من حيث المزايا، ولو واصلت حياة «الفشخرة والمنظرة»، فإنك إما أن تتحول إلى حرامي أو متسول أو بلطجي.

لست من أنصار «مد رجلك على قد لحافك»، على نحو مطلق، بل من أنصار «ابذل كل جهد لكي يصبح لحافك طويلا وعريضا ومتينا.. ولكن بشرف».. ومد الرجل على «قد اللحاف» قد يكون دعوة إلى التبذير، فإذا كان لحافي (وهو إمكاناتي المادية) تسمح لي بالبحبحة في مرحلة ما فليس من العقل أن أواصل البحبحة في الفاضي والمليان وعلى مر الأيام، وهذا يذكرني بأمثال شعبية كثيرة (تداولتها مرارا في مقالاتي) يتداولها الناس وكأنها أحاديث قدسية، منها في سياق مقالي هذا «اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب».. انتبه الى حشر كلمة «الغيب» هنا لإعطاء هذه المقولة طابع الحكمة الدينية! لا يعقل أن يحث الدين على الصرف الطائش، ثم إن تلك المقولة تفترض أن في الغيب رزقا مضمونا لمن ينفق كل ما في جيبه (مدخراته).

وللمرة الألف: هل تذكرون الملياردير عدنان خاشوقجي؟ كان لديه آلاف الملايين من النقد السائل ويخوت وقصور في العديد من العواصم، وعاش حياة باذخة وأنفق بسفه وطيش الى أن جاء يوم أنذرته فيه شركة الكهرباء الإسبانية بقطع التيار عن شقته لأنه لم يسدد فواتيره لعدة أشهر.

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news