العدد : ١٥٥٢٨ - الأحد ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٠ صفر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٢٨ - الأحد ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٠ صفر ١٤٤٢هـ

قضايا و آراء

مع كل ألم.. أمل للسعادة!

بقلم: د. سهير المهندي

الثلاثاء ٠٤ ٢٠٢٠ - 02:00

أشارت دراسة نشرتها مجلة «التايم» الأمريكية إلى أن «40% من مشاعر السعادة لدى الإنسان مرتبطة بأفكاره، وسلوكه، وأفعاله، و50% من الإحساس بالسعادة تحدده عوامل جينية، بينما 10% من الإحساس بالسعادة تحدده ظروف الإنسان، على العكس مما يعتقده كثيرون أن ظروف الشخص تؤثر بشكل كبير على سعادة المرء». 

وفي هذه الحكاية كانت هناك امرأة عانت منذ أن كانت صغيرة في مقتبل العمر فعاشت مآسي الدنيا بشتى أنواعها، فهي أخت كبيرة ولها عدد من الإخوة والأخوات، كان لكل منهم دور في الإضرار بها بعد أن أغوتهم مغريات الدنيا ومصالحها ومطالبها فكان غرورهم وطمع المال وحب الذات أفضل صفاتهم، لم يكن منهم أي سند أو عون لها فكان تحالفهم أفضل من حفاظهم على أختهم، إنهم يتظاهرون باستقامة القيم والأخلاق أمام المجتمع، وفي الوجه المقابل تجاه أختهم كان الانحطاط في تعاملهم معها وهي أقرب الناس إليهم، ولم يكن يقوي من صبرها سوى الحكمة الذائعة: «دع الأيام تفعل ما تشاء.. وطب نفسا بما حكم القضاء».

لقد كان أي هدف لتقربهم منها هو مجرد طلب حاجة أو مال أو مغزى آخر حتى وصل بهم الحال إلى محاولة التجني عليها في كل أمور الحياة، رغم سخائها اللا محدود معهم فقدمت الخير ولم تلمس ملامحه منهم، باشرت عن بعد الاهتمام بكل تفاصيل حياتهم ليصلوا إلى أفضل خطوات أمورهم، ولكن لم تشعر يوما أو تلمح منهم أي تفاصيل للوفاء والخير أو حتى السؤال عنها من بعيد أو الاهتمام بها وفي تفاصيل حياتها واحتياجاتها، وخاصة عندما أخذ عمرها يكبر، حيث كانت تنتظر يوما إطلالة منهم لفرحة العيد حتى لو كانت كلمة مغلفة من بعيد، فالكلمة الطيبة صدقة، ترطب قلوبا تحجرت وتفتح أبواب الخير، وتمسح غبار الحقد والأنانية.

حاولت التقرب مع المحيط الخارجي بحثا عن معاني للعيد لتحصل على أخوة لم تجمعهم معها صلة رحم، فتبدأ الحكاية.. عانت وتكبدت كل مآسي الحياة، وحيدة لم يكن لها عزوة أو سند، ولم يكن لديها مأوى، فصارعت الحياة، وعملت، وتعلمت، حتى أصبحت لها مكانة مجتمعية، ودخلا ماليا يعينها على مواصلة مشوار الحياة، إذ بدت ملامح العيد عليها لكونها ذات قوة وإرادة، ولديها إيمان بأن السعادة تأتي حينما تمد السعادة للآخرين رغم استمرارية صراع الحياة وسط وحوش النفوس التي لا تشعر بمشاعرها الرقيقة، وجبال همومها الكبيرة، إذ لم تنطق يوما إلا بالفرح والسعادة للجميع من حولها منادية للعيد في أيام حياتها ولكن لا جدوى، حيث صراع الحياة الذي يخطف منها ريعان شبابها وزهرة عمرها وتمضي بها السنون ولا من معين، وتظل وحيدة في انتظار فرحة عيد ولو طرقة باب ذات صباح أو مساء تشعرها بالسؤال عنها فتملأ قلبها فرحا.. إذ لا عيد في أيامها.

لم تكن يتيمة الوالدين، فالكبير لا تنطبق عليه صفة اليتم ولكن كانت يتيمة العزوة (الأخوة والأخوات) يتيمة (المجتمع) لم تجد يوما صديقة تؤنس وحدتها، وتشاطرها فرحتها وأحزانها، وتكتم معها أسرارها، حيث لم تعش يوما الشعور بالأصدقاء في كل الأعياد.

عاشت وحيدة، حيث أسوأ أنواع الوحدة التي تجتاح الإنسان وهو بين أهله وصحبه، فتلك حياة أشبه بالعلب الصينية: علبة داخل علبة وتتضاءل العلب حجما، إلى أن تبلغ العلبة الصغرى في القلب منها جميعاً، وإذا في داخلها خاتم ثمين من خواتم ابنة الأثرياء، بل هو سر أثمن وأعجب، فكان التعود والإيمان بأن الوحدة هي الحقيقة الأولى التي ولدت بها ولابد من الرحيل معها، فخطت خطواتها وأصبحت لها قاعدة علاقات مجتمعية يعرفها الجميع.. كانت ذكية وامرأة قوية، فظنوا أنها تملك كثيرا من خيرات الأرض، إلا أنها ضعيفة متعبة مكسورة تتألم، حيث تظل الأيام هي من تشاطر أحزانها وترافق همومها، متأملة أن تشرق شمس يوم جديد لترى فرحة العيد، وعزاؤها الوحيد الاستمتاع بوقتها.

فقدمت الخير بكل معانيه وأشكاله وفي كل البقاع ومع كل الناس، ولم تنل سوى الضرر والحقد والحسد، حيث صارعت، وتألمت، بحثا عن فرحة عيد صغيرة، تفرح قلبها قبل مشاعرها، وأحاسيسها، ولم يبال أحد بمساندتها فعانت حتى تقف صامدة، صلبة، واقفة، أبية، ففتحت لها الكثير من الآفاق الأخرى في الحياة فكانت هذه هي مصدر السعادة لها.

صاحبت أصحاب الفكر والحكمة والأدب، وجالستهم من خلال صفحات كتبهم، فكان لكل علومهم رفقة تشاطر وحدتها حتى امتلأت حياتها بأفضل رفقة تجالسها، وتخاطبها، وتناظرها فحولت وحدتها إلى نهم تعشقه بعد أن كانت وحشا ينهش أنفاسها.

تشير دراسات إلى أن إضافة خبرات جديدة إليك تجعلك أكثر سعادة من غيرك، وإدراك تحديات الحياة يجعلك سعيدا، كذلك التفاؤل بشأن المستقبل يجعلك أكثر سعادة، والابتعاد عن الغضب والتعصب والسلبية يجعلك سعيدا أيضا، والأهم من كل هذا لكي تكون سعيدا عليك بمعرفة الله والرضا بما قسم الله والتسليم بقضائه تعالى.

وهكذا نعيش الحياة نبحث عن سعادتنا من الآخرين ولو كانت من أقرب الناس إلينا فنجدهم هم من يجلبون التعاسة إلى حياتنا، فمن عاش يعاني ألم الوحدة وانتظار التصدق عليه بكلمة سيمضي به العمر بائسا حتى الموت هما وغماً، فالرضا بما قضاه الله لنا من أفضل أمور السعادة، وأن تنهض لتقدمها للغير فهي حكمة من الله بذلك، فلا تيأس فإن رحمة الله واسعة وكل عمله ومقدار وزنه يحتسب عند الله، فإن حرمت من السعادة فقدمها للآخرين لأنك أٌقدر من يقدمها للغير.

اختم كلماتي بموقف بسيط مر عليّ يوم العيد، حيث اتصل بي أحد البسطاء، لكن من «العظماء» في رأيي، وقال لي: أرسلت إليك عيدية بمقدار بسيط جدا بمبلغ (5 دنانير) وأنا أعلم أنك لست بحاجة إليها، ولكن أردت أن أعود بك إلى أيام الطفولة وعيدية والدك إليك، حيث شعرت من خلال ذلك بسعادة لا توصف، ومنها انعكس ذلك على شعوري، فشعرت بقمة السعادة وبالقيمة المعنوية التي أوصلها إليّ هذا الإنسان البسيط العظيم في المشاعر الإنسانية، حيث العيدية ليست في المعنى المالي، وإنما في المعنى الإنساني تشعرك وكأن هناك آخرين أرادوا أن يمنحوك السعادة من حيث لا تدري من أبسط الأمور غير المتوقعة، وخصوصا في هذه الأيام والتباعد الاجتماعي، فلا تفقدوا تباعدكم الروحي، فسيأتي يوم لن تجدوا فيه الجسد ولا الروح.

Suhier80@gmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news