العدد : ١٥٥٢٨ - الأحد ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٠ صفر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٢٨ - الأحد ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٠ صفر ١٤٤٢هـ

قضايا و آراء

فلسطين وأجندة الحزب الديمقراطي الانتخابية

بقلم: د. جيمس زغبي {

الثلاثاء ٠٤ ٢٠٢٠ - 02:00

لقد كنت دائما أشارك على مدى ثلاثة عقود في النقاشات المتعلقة بالبرنامج الانتخابي للحزب الديمقراطي الذي ظل يخطئ دائما في اتخاذ المواقف اللازمة فيما يتعلق بمحور الصراع ما بين إسرائيل والفلسطينيين. نعم يخطئ لأن المواقف التي يتخذها الحزب الديمقراطي تكون دائما منسلخة عن الواقع السياسي على الأرض كما أن اللغة التي يستخدمها الحزب تتناقض مع حقيقة أراء الناخبين الديمقراطيين.

يؤسفني القول إن الحزب الديمقراطي قد وقع في نفس الأخطاء هذه السنة أيضا. فرغم بعض التقدم الهامشي الذي تحقق على مستوى اللغة التي صيغ بها البرنامج الانتخابي للحزب الديمقراطي لسنة 2020 فإنها لا تزال متخلفة بما يقرب من عشرين سنة إلى الوراء ولم تواكب التطورات أو تعكس آراء الناخبين الديمقراطيين. 

قبل أن أنتقد هذا البرنامج المقترح لانتخابات 2020 الرئاسية المزمع إجراؤها في شهر نوفمبر القادم، وأسلط الضوء خاصة على المحور المتعلق بالصراع بين إسرائيل والفلسطينيين، أود أن أعود بكم إلى بعض صفحات التاريخ. في سنة 1988 كنت أمثل مرشح الحزب الديمقراطي جيسي جاكسون وقد اقترحت إدخال تعديل على برنامجه الانتخابي ينص على مبدأ «الاعتراف المتبادل وتقديم التنازلات المتعلقة بالأرض وتكريس مبدأ حق تقرير المصير للإسرائيليين والفلسطينيين». لم يكتف المسؤولون المكلفون بصياغة مسودة البرنامج الانتخابي برفض هذه الصيغة المعتدلة بل إنهم اتهموني بالسعي إلى تدمير الحزب الديمقراطي نفسه. لقد أخطأوا في ذلك.

في تلك الفترة كان الفلسطينيون يخوضون انتفاضتهم الأولى وقد كان الرأي العام الأمريكي يشهد بعض التحول بسبب لجوء الإسرائيليين إلى استخدام العنف بشكل مفرط وغير متوازن من أجل إخماد تلك التحركات الشعبية. فقد أظهرت نتائج استطلاع للرأي أجرته «أتلانتا كونتتيوشن» آنذاك أن 70% من الديمقراطيين يدعمون موقفنا. رغم ذلك فقد أبت قيادة الحزب إلا أن ترفض أي تغيير في مواقفها.

دعا البرنامج الانتخابي في تلك السنة إلى تطبيق اتفاقيات كامب ديفيد، لذلك فقد عرضنا لغة وسطا مستنبطة من مفردات اتفاقيات كامب ديفيد نفسها، واقترحنا إضافة بعض الجمل من قبيل «الأرض مقابل السلام» و«الحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني». لقد قيل لنا يومها إن مجرد ذكر كلمة «فلسطين» في البرنامج الانتخابي سيفتح أبواب جهنم على الحزب الديمقراطي برمته.

بما أنهم رفضوا إدراج هذه الاقتراحات في مسودة البرنامج فقد أثرنا هذه النقاشات من على منبر المؤتمر الانتخابي للحزب الديمقراطي وقد أبدوا قلة الاحترام وبذلوا كل ما في وسعهم من أجل إسكات أصواتنا وإزاحتنا من منصة المؤتمر. 

في عام 1996، أي خلال السنوات الأولى لمسار أوسلو، تضمن البرنامج الانتخابي للحزب الديمقراطي نقطة تنص على أن تظل مدينة القدس «عاصمة إسرائيل الموحدة»، وهو ما أزعجني لأن إدارة الرئيس بيل كلينتون كانت في نفس تلك الفترة تحث الإسرائيليين والفلسطينيين على تجنب اتخاذ أي «خطوات من طرف واحد من شأنها أن تستبق قضايا الحل النهائي» ومن بينها وضع مدينة القدس. 

بادرت بالاتصال بساندي بيرغر، مستشار الأمن القومي في إدارة الرئيس بيل كلينتون، وعبرت له عن انشغالي بهذه النقطة وقلت له إن من شأنها أن تتعارض مع المواقف المعلنة للإدارة الأمريكية الديمقراطية في تلك الحقبة. لقد وافقني الرأي غير أنه رفض التدخل في عملية صياغة مسودة البرنامج الانتخابي لكنه أوفد المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية كي يقرأ بيانا على اسماع أعضاء لجنة الصياغة قال فيه إن سلطات البيت الأبيض تنأى بنفسها عن مواقف الحزب، وهو ما تسبب في حرج لم يكن بالإمكان تجنبه. 

في سنة 2012 لم يتضمن برنامج الحزب أي إشارة من هذا القبيل إلى قضية القدس وهو ما أثار ارتياحنا في البداية. في اليوم المحدد لاعتماد البرنامج الانتخابي في مؤتمر الحزب الديمقراطي اعتلى رئيس لجنة المؤتمر المنصة وأعلن في آخر لحظة عن إضافة بند يعلن «مدينة القدس الموحدة عاصمة لدولة إسرائيل». بعد ذلك نادى ثلاث مرات من أجل اعتماد هذا التعديل في البرنامج وقد كان جواب الحاضرين دائما «لا» في المرات الثلاث.

أسقط في يد رئيس اللجنة وبدا عليه الارتباك وأعلن تعسفا أن الكفة قد رجحت للذين قالوا «نعم ووافقوا على التعديل، وهو ما جعل قاعة المؤتمر تضج بأصوات الاستهجان. في ذلك اليوم، وخلال اليوم الذي تلاه أجريت شخصيا حوارات مع الكثير من وسائل الإعلام وقد تركز الحديث على ما جرى في المؤتمر وتعسف رئيس اللجنة. لم يتوقف الأمر عند ذلك الحد، فقد ارتكب الحزب الديمقراطي خطأ آخر.

في سنة 2016 شاركت في إعداد مسودة البرنامج الانتخابي وقد أدركت مرة أخرى أن قيادة الحزب الديمقراطي كانت منسلخة عن الواقع. فعندما طالبت بإدراج نقطة للتعبير عن معارضة الحزب للمستوطنات قيل لي إن الحزب لا يرغب في الخوض في قضايا الوضع النهائي. عندها أجبتهم وقلت، بناء على كلامهم، إن نص البرنامج يجب ألا يتضمن أي إشارة إلى مدينة القدس غير أن كلامي قد قوبل بالصمت الذي لا يخلو من حرج كبير. في خضم هذا التاريخ الذي أتيت على ذكره شاركت في مناقشة مسودة البرنامج الانتخابي للحزب الديمقراطي لسنة 2020 وقد وجدته يجمع ما بين الكثير من الغث والقليل من السمين. 

للمرة الأولى لمست في اللغة المستخدمة بعض الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني ومحاولة التفكير في صيغة متوازنة في مخاطبة الفلسطينيين والإسرائيليين. تعترف مسودة برنامج الحزب الديمقراطي للمرة الأولى أيضا بحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته مع وعد بالعمل على إصلاح الأضرار التي تسببت بها إدارة دونالد ترامب.

يدعو البرنامج أيضا إلى إعادة العمل ببرامج المساعدات الأمريكية للفلسطينيين وإعادة فتح القنصلية الأمريكية في مدينة القدس والتي ظلت طويلا تخدم الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، والعمل على إعادة فتح مقر البعثة الفلسطينية في العاصمة واشنطن. مع ذلك لا يكفي أن تتم الدعوة اليوم وبعد تأخير دام عقدين من الزمن، إلى إقامة دولة فلسطينية أو التعهد بإعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه. يظل هذا غير كاف.

هناك تقدم ملموس فيما يتعلق بحركة مقاطعة إسرائيل ومنع الاستثمار فيها وفرض العقوبات عليها دعما لحقوق الشعب الفلسطيني. وبالمقابل فقد أبقى القائمون على صياغة برنامج 2020 الانتخابي على ذات المفردات التي استخدمت في سنة 2016 والتي تشدد على رفض «أي محاولة ترمي إلى نزع الشرعية عن إسرائيل، سواء من خلال الأمم المتحدة أو من خلال حركة المقاطعة». شدد البرنامج على الالتزام الكامل بحماية «حق مواطنينا الدستوري في حرية التعبير».

راحت الجماعات المؤيدة لإسرائيل تحاول أن تصور هذا الأمر على أنه يمثل نصرا لها، غير أن الأمر أشبه ببرنامج الحزب الجمهوري الذي جاء فيه ما يلي: «نعارض الإجهاض لكن نؤيد حق المواطنين في اتخاذ قرارهم بشأن هذه المسألة». رغم هذا التقدم الذي تحقق فإن عدة محاور أخرى عديدة في هذا البرنامج تظل بعيدة جدا عما يجب أن تكون عليه. 

لقد عمدت اللجنة المكلفة بصياغة البرنامج مرة أخرى إلى وضع خط أحمر ضد أي إشارة إلى كلمة «الاحتلال» في الوثيقة رغم أن كل زعيم ديمقراطي، بمن في ذلك باراك أوباما وهيلاري كلينتون وجو بايدن، قد شددوا على ضرورة إنهاء الاحتلال العسكري الذي تفرضه إسرائيل على الفلسطينيين.

يعترض البرنامج الانتخابي على مسألة «التوسع الاستيطاني»، في سابقة أخرى، غير أنه لم يذكر كيف أن الاستيطان ظل يتنامى بلا هوادة رغم أن الإدارات الديمقراطية المتعاقبة في البيت الأبيض قد ظلت تعترض على ذلك. رفضت اللجنة مجددا الطلب الذي تقدمنا به من أجل فرض شروط على المساعدات التي تقدمها الولايات المتحدة الأمريكية لإسرائيل إذا ما أصرت هذه الأخيرة على مواصلة بناء وتوسيع المستوطنات أو ضم الأراضي الفلسطينية، لذلك فإن البرنامج الانتخابي الديمقراطي يكرس في الحقيقة إفلات إسرائيل من العقاب. 

ظلت الإدارات الأمريكية على مدى عقود كاملة، وقبل مجيء إدارة دونالد ترامب، تدعو إلى إنهاء الاحتلال وتعبر عن معارضتها للتوسع الاستيطاني، من دون أن تفعل أي شيء على أرض الواقع ليظل ذلك مجرد حبر على ورق. أما اليوم فإن الأغلبية الساحقة من الديمقراطيين في الكونجرس يعبرون عن معارضتهم لضم إسرائيل أجزاء من الأراضي الفلسطينية، غير أن نفس هؤلاء النواب الديمقراطيين هم الذين تحفظوا في مواقفهم ولم يتحدثوا عن التبعات التي ستتعرض لها إسرائيل إذا ما أصرت على المضي قدما في ضم الأراضي أو مواصلة بناء وتوسيع المستوطنات. لا غرابة أن إسرائيل تظل تتجاهل ما تقوله الولايات المتحدة الأمريكية. فالسلوك السيئ يتواصل في غياب أي رادع للسلوك السيئ. 

هناك أسباب تجعلنا نعلق آمالنا على ما يمكن أن تؤول إليه هذه النقاشات الراهنة. يتجلى ذلك في الشجاعة التي أظهرها مرشح الانتخابات الرئاسية السيناتور بيرني ساندرز والأعضاء الجدد في مجلس النواب الأمريكي من أمثال ألكسندريا أوكاسيو كورتيز، والتي ظلت تدافع عن حقوق الشعب الفلسطيني. يتجلى ذلك أيضا في نتائج استطلاعات الرأي الأخيرة التي أظهرت وجود أغلبية من الديمقراطيين الذين يؤيدون ربط المساعدات الأمريكية المقدمة لدولة إسرائيل بسجلها في مجال احترامها لحقوق الإنسان. 

مما لا شك فيه أن هذه المعركة لا تزال متواصلة وهي لم تنته بعد. سنظل نبذل قصارى جهدنا وندفع الديمقراطيين كي يعترفوا بالواقع ويعترضوا على الاحتلال الإسرائيلي بدل الاكتفاء بالتعبير عن رفض «التوسع الاستيطاني» كما سنواصل الضغط من أجل جعل المساعدات الأمريكية لإسرائيل مشروطة، حتى تدرك ما ستواجهه من تبعات إذا ما أصرت على المضي قدما في ضم الأراضي الفلسطينية وتوسيع وبناء المستوطنات. 

أظهرت استطلاعات الرأي أن هذه المواقف تلقى الدعم من أغلب الديمقراطيين وتعكس تغير العوامل السياسية على أرض الواقع، لذلك فقد حان الوقت كي يغير الحزب الديمقراطي برنامجه الانتخابي ويواكب بالتالي الواقع المتغير والمواقف التي تتطور.

‭{‬ رئيس المعهد العربي الأمريكي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news