العدد : ١٥٥٢٢ - الاثنين ٢١ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٤ صفر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٢٢ - الاثنين ٢١ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٤ صفر ١٤٤٢هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

نظام يعلم وآخر يؤلم

يؤرقني كثيرا أن أنظمتنا التعليمية لا تنتج باحثين ومغامرين ومستكشفين، ومن ينبغ منا ويبدع يفعل ذلك بالعصامية أي بالجهد الشخصي، لأن تقييم الإنسان عندنا من الناحية العلمية يقوم على نتائج الامتحانات والاختبارات التي يقوم النجاح فيها على حفظ المعلومات من دون هضمها. وعموما، فإن اهتمامنا بالعلوم الطبيعية مثل الكيمياء والفيزياء والأحياء ضعيف وقليل، ومن ثم لا تجد بين طلابنا من يميل الى دراسة تلك العلوم في المرحلة الجامعية إلا مضطرا بعد الفشل في الحصول على مقعد في كليات أخرى.

وبالمقابل اليك هذه الحكاية: في نوفمبر من عام 1895 كان الفيزيائي الألماني ويلهلم رونتجين يقوم بتجربة لمعرفة ما يحدث للإلكترونات عند تمريرها عبر أنابيب مفَرَّغة vacuum بعد تغليف الأنابيب بورق أسود سميك، عندما لمح اهتزازا في شاشة تبعد مترا عن الأنبوب، وشيئا فشيئا أدرك أنه أمام نوع جديد من الأشعة قادر على اختراق الأجسام «غير الشفافة». تلك كانت أشعة إكس التي فازت في 4 نوفمبر (2009) بالمرتبة الأولى بين الاكتشافات والاختراعات الأكثر أهمية في تاريخ العلوم. وما إن سمع البريطاني راسل رينولدز بالأمر حتى قرر الاستفادة من ذلك الاكتشاف لخدمة البشرية فقام بتصميم أول جهاز أشعة للاستخدام الطبي، وكان له ما أراد خلال سنة واحدة، عندما أنجز رينولدز ذلك الاختراع كان عمره 15 سنة أي كان قاصرا في نظر القانون، وكان في منتصف مسيرته التعليمية في المرحلة الثانوية، وبداهة فقد صار لاحقا أميز المختصين في التصوير الإشعاعي في زمانه وكان أول من استخدم أشعة إكس لتصوير الأعضاء الداخلية في جسم الإنسان.

صبي في الثانوية وفي القرن التاسع عشر استطاع ان ينجز اختراعا أنقذ حياة بلايين البشر، ليس لأنه من سلالة عباقرة بل لأنه من سلالة تسمح بالتفكير الحر، فهو من سلالة ليست عندها معلقات ولا مشعلقات يؤدي عدم حفظها عن ظهر قلب الى «برجلة» المسيرة التعليمية. درست مع أبناء جيلي الأدب الإنجليزي بتعمق في جامعة الخرطوم على أيدي بريطانيين ضليعين في أمور الأدب والنقد الأدبي، ودرسنا الشعر المكتوب بالإنجليزية عبر العصور: تشوسر وميلتون والميتافيزيقيين والرومانتيكيين وغيرهم وصولا الى جيل تي إس إليوت، ولم نكن مطالبين بحفظ سطر واحد منه، شخصيا وقعت في غرام مسرحيات وسوناتات شكسبير (السوناتا قصيدة تتألف من 14 بيتا مقسمة إلى 3 أجزاء لكل منها قافية خاصة وخاتمتها بيتان متسقان من حيث القافية rhyming couplets) ومن فرط شغفي بفنه لم أكن أكتفي بحفظ مقاطع من مسرحياته وأشعاره بل حتى بآراء النقاد في ما كتبه وكاد ذلك أن «يجيب خبري».

في ذات امتحان عن مسرح شكسبير استشهدت بنصوص على ألسنة شخوص مسرحياته، وخرجت من قاعة الامتحان وأنا واثق من أنني سأحرز درجات عالية في تلك المادة، وبعدها بيوم أو يومين استدعاني أستاذي الفذ جون أباظة (هاجر جده من مصر الى انجلترا في القرن التاسع عشر) وقال لي: عيب يا جعفر ان تمارس الغش الساذج في الامتحان فقلت له: عيب يا أستاذ أن توجه لي اتهاما كهذا.. فقال لي كيف تبرر إيرادك نصوصا حرفية لما قاله كولن ويلسون وبرادلي وديريك ترافيرسي عن مسرحيات شكسبير، فكان ردي أن كلا منهم قال هيك وهيك في الموقع كذا وكذا وأوردت تلك النصوص شفاهة فنظر مصعوقا، ولسان حاله يقول بالمصري: يشفي الكلاب ويضُرك يا جعفر.. ثم ابتسم ونصحني بعدم تكبد عناء حفظ أي نص إلا عن إعجاب، شارحا: أفهم ان تحفظ نصوص لشكسبير أو شاكيرا (هذه شطحة من عندي) ولكن لا ترهق ذهنك بحفظ آراء النقاد.

رينولدز استطاع اختراع جهاز اشعة إكس لأن النظام التعليمي في بلاده يسمح للدماغ بحرية الحركة والتعبير، بينما تم حشو دماغ جعفر وشركاه بمعلومات عديمة الفائدة غير قابلة للنقاش، فعجزوا حتى عن اكتشاف اشعة زد Z، وهو حرف عديم الجدوى في الإنجليزية لأن حرف إس S، يقوم مقامه بكفاءة، ولهذا قال فيه شكسبير في مسرحية الملك لير Thou whoreson zed! Thou unnecessary letter. يا حرف زد ابن السفاح يا عديم الفائدة!

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news