العدد : ١٥٥٥٩ - الأربعاء ٢٨ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١١ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٥٩ - الأربعاء ٢٨ أكتوبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١١ ربيع الأول ١٤٤٢هـ

قضايا و آراء

آلية جديدة للأمن السيبراني في دول الخليج العربي

بقلم: د. أشرف محمد كشك {

الاثنين ٠٣ ٢٠٢٠ - 02:00

في العشرين من يوليو 2020 عقدت اللجنة الوزارية للحكومة الإلكترونية بدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية اجتماعا عبر تقنية الاتصال المرئي بالأمانة العامة للمجلس بالرياض، شارك فيه الوزراء والرؤساء التنفيذيون والمديرون العامون للحكومات الإلكترونية بدول المجلس. ومع أهمية الموضوعات العديدة التي ناقشها الاجتماع ذات الصلة بالأمن السيبراني فإنه أسفر كذلك عن تطور مهم هو تدشين منصة تحليل البرمجيات الخبيثة الخاصة بالأمن السيبراني، وهو مشروع خليجي مشترك يستهدف ضمان أمن المعلومات وحمايتها في دول الخليج العربي.

وبرأيي أن تلك الآلية تكتسب أهمية بالغة تأسيسا على خمسة معطيات: الأول: أنه تم إقرارها من جانب لجنة المراكز الوطنية للاستجابة لطوارئ الحاسبات لدول مجلس التعاون بما يعني أنه يعد ضمن الإجراءات الاحترازية بشأن تحقيق الأمن السيبراني لدول الخليج ويعيد ذلك إلى الأذهان الهجوم السيبراني الذي ألحق الضرر بأجهزة كمبيوتر في شركة أرامكو النفطية السعودية عام 2012، والثاني: التقدم الملحوظ الذي حققته دول الخليج في مجال الحكومة الإلكترونية ومن ذلك تصنيف مملكة البحرين في المرتبة الرابعة عالميا في نسبة مستخدمي الإنترنت، فضلا عن تأكيد مصادر رسمية في المملكة العربية السعودية أن سرعة الإنترنت قد سجلت 400% خلال السنوات الثلاث الماضية، وذلك على سبيل المثال لا الحصر؛ إذ تمتلك كل دول الخليج بنية تحتية رقمية متميزة، والثالث: دور الحكومة الإلكترونية في الخليج خلال أزمة كورونا، إذ لوحظ انتظام عمل كل المؤسسات بنفس الأداء المطلوب، وهو ما أظهر تميز دول الخليج في هذا الشأن، والرابع: أنه في الوقت الذي يتعاظم فيه الاعتماد على شبكة الإنترنت بشكل متسارع تزداد فيه مخاطر سرقة البيانات وهو الأمر الذي حذرت منه الشرطة الدولية «الإنتربول» في مايو 2020 من خلال بيان تحذيري مفاده أن مجرمي الإنترنت يسعون لاستغلال أزمة كورونا للقيام بسرقة البيانات وتنفيذ عمليات تزوير وخلق فوضى في العالم الافتراضي عموما، والخامس: تنامي اهتمام الدوريات العلمية في العديد من دول العالم بشرح مخاطر الحروب السيبرانية ومجملها أن هذا النوع من الحروب قد أضحى آلية إدارة الصراعات بدلا من عمليات الردع التقليدية.

ومع أهمية ما سبق وحتمية مواجهة تهديدات الأمن السيبراني التي تستهدف القطاعات الحيوية في العديد من الدول فإن هناك ثلاثة مؤشرات تعكس تلك التهديدات ومدى الاهتمام العالمي بمواجهتها، أولها: أن قضية أمن المعلومات قد أضحت من الأولويات، ليس فقط لدى الدول بل المنظمات الدفاعية الكبرى؛ فحلف شمال الأطلسي «الناتو» كان له خبرات تراكمية في هذا الشأن، ففي أعقاب تعرض إستونيا لهجوم إلكتروني استهدف كل المنشآت الحيوية على نطاق واسع عام 2007 أعلن الحلف تأسيس مركز الدفاع الإلكتروني عام 2008 في مدينة تالين بإستونيا، كما أشار المفهوم الاستراتيجي للحلف الصادر عام 2010 إلى مخاطر الإرهاب السيبراني وصولا إلى قمة الحلف في وارسو عام 2016 التي صنف الحلف خلالها الفضاء السيبراني باعتباره أحد المجالات العملياتية الذي يتعين على قوات حلف الناتو أن يكون لديها القدرة على المناورة فيه مثلما تقوم بذلك برا وجوا وبحرا، ثم إعادة تأكيد قمة الحلف ببروكسيل عام 2018 تصميم الحلف على الاستمرار في مواجهة تهديدات الأمن السيبراني والتي وضعها الحلف ضمن أولوياته الدفاعية، وثانيها: أنه في ظل زيادة الضربات التي تتلقاها الجماعات الإرهابية في مناطق الصراعات المختلفة فإنها وجدت في الإرهاب الإلكتروني وسيلة رخيصة الكلفة وخسائرها فادحة، إذ تشير بعض الدراسات إلى أن 50% من الهجمات السيبرانية في الشرق الأوسط تستهدف قطاعي النفط والغاز لإدراك تلك الجماعات أهمية هذين القطاعين لاقتصادات تلك الدول إلى الحد الذي حدا بالمشاركين في مؤتمر التكنولوجيا العسكرية في الشرق الأوسط الذي أقيم تزامنا مع معرض البحرين الثاني الدولي للدفاع عام 2019 ضرورة تأسيس تحالفات دولية لمواجهة الإرهاب السيبراني، وثالثها: استمرار المخاوف بشأن إمكانية أن تطول الهجمات السيبرانية الجيوش، صحيح أنه لا يوجد حتى الآن ما يشير إلى نجاح هجمات من هذا النوع ولكنه احتمال يظل قائما، وهنا أتوقف قليلا عند كتاب صدر عام 2019 ضمن سلسلة عالم المعرفة بدولة الكويت بعنوان «المنطقة المعتمة: التاريخ السري للحرب السيبرانية» لمؤلفه فريد كابلان، الذي يشير في ذلك الإصدار إلى أسماء لأفراد ومؤسسات أمنية عسكرية في الولايات المتحدة ممن كانت لهم دراية وخبرة بهذا النوع من الحروب، والإشارة كذلك إلى تحذيرات بعض الخبراء في مجال تقنية المعلومات من أن شبكات المعلومات المتطورة سوف تسفر عن نقاط ضعف وثغرات أمنية لن تقتصر على المجتمع فحسب بل سوف تشمل الجيوش في الوقت ذاته.

ومع أهمية تأسيس المنصة الخليجية التي تعنى بتحليل تقنيات البرمجيات الخبيثة بشأن الأمن السيبراني فإنها في تصوري خطوة يجب أن تتبعها خطوات أخرى يأتي في مقدمتها زيادة الوعي بمخاطر الهجمات السيبرانية، فالمسألة لا ترتبط بعمل مؤسسات الدول فحسب، بل إنها أضحت جزءًا من الحياة اليومية إن لم تكن هي الحياة بأسرها؛ إذ إن التعاملات الورقية في سبيلها إلى الاختفاء، ومن ثم يجب أن تكون هناك برامج شاملة ودائمة من خلال وسائل الإعلام بشأن عمليات النصب والاحتيال الإلكتروني وطرق الإبلاغ عن ذلك والتعامل مع آثاره. ومن ناحية ثانية فإن هناك حاجة إلى الاطلاع على تجارب المؤسسات الأمنية والدفاعية في الدول التي حققت نجاحات في التصدي لمخاطر الإرهاب الإلكتروني من حيث ماهية تلك المؤسسات وهيكلها التنظيمي وتبعيتها وأسلوب عملها، ومن ناحية ثالثة فإن تحدي الإرهاب الإلكتروني كغيره من التحديات يتطلب تنفيذ تمرينات محاكاة على هجوم محتمل بهدف زيادة جاهزية الأجهزة والأفراد القائمين على مواجهة ذلك التهديد.

إن جل هذا المقال هو تأكيد أن قضية أمن المعلومات قد تجاوزت مفهومها التقني لتشمل الأبعاد الأمنية والدفاعية والاستراتيجية، فضلا عن أنها أصبحت جزءًا لا يتجزأ من خطط الأمن القومي والمواثيق الدفاعية للتحالفات العسكرية، بالإضافة إلى أنها باتت محل اهتمام دائم في ظل التطور التكنولوجي المذهل الذي بقدر ما يحمله للعالم من فرص فإن في طياته مخاطر جمة، ومن ثم حاجة دول العالم الماسة إلى تشريعات دولية واضحة ومحددة بشأن مواجهة الإرهاب الإلكتروني. ومجمل القول إن أمن المعلومات قد أصبح التحدي الأكبر الذي يتطلب صياغة الخطط والاستراتيجيات للتعامل مع مخاطره، وفي الوقت ذاته تدريب المزيد من الكوادر البشرية التي يكون بمقدورها ليس فقط مواجهة تلك المخاطر بل إجهاض محاولات اختراق الأجهزة والمؤسسات المختلفة وخاصة الأمنية والدفاعية منها، وهذا هو التحدي الحقيقي الذي تواجهه كل دول العالم. 

‭{‬  مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية بمركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة «دراسات»

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news