العدد : ١٥٥٢٨ - الأحد ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٠ صفر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٢٨ - الأحد ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٠ صفر ١٤٤٢هـ

عالم يتغير

فوزية رشيد

عالم افتراضي وعلاقات افتراضية!

‭}‬ استكمالا لموضوع (لكي يعود الناس إلى طبيعتهم) فإن البشرية تمرّ اليوم بمرحلة غريبة لا سابق لها! قياسًا بحجم المتغيرات والتحولات إيجابية كانت أو سلبية، وذلك يحتاج إلى بحث وتدقيق وقراءة حكيمة لمعرفة الفروق بين التطور والتقدم في المجتمعات الإنسانية، التي تخضع اليوم لتحولات كبيرة جرّاء التطوّر التكنولوجي والعلمي، ولكنها تعاني من تخلف في إطار الجوانب الأخلاقية والدينية والقيم الإنسانية، بسبب طغيان الجوانب المادية على حياتها، ورؤيتها حتى لمفهوم التقدم وعدم التفرقة بينه وبين التطوّر، لأن «التقدم» هو مفهوم يتعلق بتطوّر كل الجوانب في الحياة الإنسانية، ولا يقتصر على تطوّره العلمي أو التكنولوجي، لأن الله خلق الإنسان ليكون خليفة في الأرض، (ومهام الخليفة هي إعمار الجوهر الإنساني كما إعمار الأرض)، الذي يتمّ بتطوير «الوسائل» التي يتمّ تسخيرها له، ليصل إلى حالة متوازنة في (تطوير الذات روحيا وأخلاقيا وقيميا)، و(تطوير الخارج والبيئة التي يعيش فيها بالعلوم الأرضية التي لا تُغني مهما بلغت من تطوّر عن التطور الإنساني الروحي والأخلاقي والقيمي).

‭}‬ من الواضح أن «كورونا» عمل من قام بنشره عن طريق الخطأ أو التعمدّ في «انكماش بشري وإنساني على نفسه» كما لم يحدث قط في التاريخ منذ بداية البشرية!

هو انكماش في كل شيء، وتقنين للطبيعة الإنسانية، (بحيث تستبدل الحياة الطبيعية بالحياة الافتراضية) في كل شيء: في العمل وفي التعليم وفي التعامل البنكي، وفي التجارة وفي التسوّق، إلى جانب أن يعيش الأحزان والأفراح والمناسبات العامة والخاصة في إطار العالم الافتراضي! وحتى العلاقات تتمّ من خلال (أصدقاء افتراضيين) قد يصل عددهم إلى الآلاف وإلى مئات الآلاف، ولكنهم في النهاية أصدقاء افتراضيون، لا تراهم ولا تضحك معهم وجهًا لوجه، ولا تحزن معهم قلبًا لقلب!

أي أن كل (حواسك) التي حباك الله بها، من رؤية وسمع ولمس ووجدان وتبادل فكري، كلها معطلة في العالم الافتراضي، ليتحول الإنسان بالتدريج إلى إنسان تقتصر علاقته على الحاسوب أو الكمبيوتر أو وسائل هذا العالم الجديد، الذي يسهم بالتدريج في انكماش الإنسان على نفسه، ونسيان طبيعته الإنسانية التي لا يمكن لها أن تتفتح وترتقي إلا من خلال الاحتكاك المباشر مع البشر في المدرسة وفي العمل وفي المناسبات وفي العبادة وفي التسوق وفي السفر وفي كل منافذ الحياة الاجتماعية الطبيعية!

‭}‬ لكأن «كورونا» الذي سيستوطن الأرض عقودا بحسب تصريحات «الصحة العالمية» جاء ليحوّل البشر إلى جزء من عالم الآلة والروبوت والاحتكاك «الافتراضي» بالبشر الآخرين في كل مجالات الحياة!

(قد يعتقد البعض أن هذا التطوّر في عالم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والتطوّر العلمي هو إسهام في تقدّم البشرية)، ولكن في الواقع هو ليس كذلك! لا يمكن استبدال الطبيعة الإنسانية التي فطر الله الإنسان عليها بممارسة تلك الطبيعة في العالم الافتراضي! قد يزداد الإنسان ذكاءً في تحصيل المعلومات، ولكن سيتقلص ارتباطه بالطبيعة الأم وبطبيعته الإنسانية، وباحتكاكه لتطوير قدراته العقلية والروحية والأخلاقية معًا ومن خلال التعارف البشري الطبيعي وليس الاحتكاك الافتراضي!

هي معضلة فلسفية وإنسانية فجرتها تبعات كورونا وآثارها على البشر من الناحية الصحية والنفسية والاجتماعية، وآثارها الاقتصادية، والمعركة الدائرة اليوم لتحويل كل العالم إلى التوجّه نحو «العالم الافتراضي» والمعاملات والعلاقات والعمل من خلال الحاسوب أو الوسائل الإلكترونية الذكية، بما يحوّل الإنسان نفسه بالتدريج إلى جزء من الآلة وليس من البشرية ذات الطبيعة الإنسانية الفريدة التي خلقها الله في الإنسان! فهل هو تقدم بشري أم مجرد تطور في علاقة الإنسان بالتكنولوجيا؟! والموضوع يحتاج إلى بحث علمي وموضوعي وجاد، هو من شأن مفكري العالم ومعًا، والمنطلق هو: إلى أين يتجه الإنسان في عالم التحولات الصعبة الذي بدأ بقوة يطرق أبواب البشرية بعد «كورونا»؟!

وما هو الفرق بين التطور في عالم الماديات والتقدّم الإنساني الشامل؟!

إقرأ أيضا لـ"فوزية رشيد"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news