العدد : ١٥٥٢٨ - الأحد ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٠ صفر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٢٨ - الأحد ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٠ صفر ١٤٤٢هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

نجاة الغنوشي من العزل ليست انتصارا

لم تنقص عملية سحب الثقة من رئيس البرلمان التونسي زعيم حركة «النهضة» راشد الغنوشي سوى اثني عشر صوتا، حيث نال الاقتراع السري لهذه العملية 97 صوتا في حين كان المناهضون للغنوشي بحاجة إلى الأغلبية المطلقة، أي 109 أصوات من بين 217 هم عدد أعضاء مجلس النواب، وبذلك فإن الغنوشي اجتاز أول امتحان (صدام) سياسي مباشر مع الأحزاب المناهضة لتوليه رئاسة البرلمان التونسي، وهي النتيجة التي اعتبرها أعضاء ومناصرو حركة النهضة «نصرا» سياسيا لهم، في حين رأي المؤيدون لسحب الثقة من الغنوشي والمناصرون لهذا المطلب أن نتيجة التصويت هي «نصر بطعم الهزيمة»، وبعضهم ذهب إلى مطالبة الغنوشي بتقديم استقالته بعد هذه النتيجة «حفاظا على كرامته السياسية».

بعيدا عن صحة من عدم، الاتهامات التي يوجهها معارضو «النهضة» في شخص الغنوشي مثل أن الأخير تجاوز صلاحياته البرلمانية، بل وتعدى على صلاحيات الرئيس السياسية ومحاولة إقحام تونس في الصراعات الإقليمية من خلال الانحياز إلى طرف دون آخر في العديد من الصراعات كتلك التي تجري في ليبيا، إلى جانب علاقته الوثيقة بالنظام التركي، بغض النظر عن كل هذه الاتهامات، فإن ما حدث في البرلمان التونسي الخميس الماضي،إنما يعكس حالة الصراع السياسي في الساحة التونسية وصعوبة إيجاد حد أدنى من التوافق بين القوى السياسية التونسية.

المراقبون للوضع السياسي في الساحة التونسية يرون أن هناك تراجعا في شعبية حركة «النهضة» وأنها مهددة بالانقسام في الوقت الذي تسعى فيه الحركة إلى التحول العميق من حزب ديني إلى مدني يعتمد ما تسميه الحركة بــ«الديمقراطية الإسلامية» يعمل فقط في ميدان السياسة، هذه الوضعية السياسية والتنظيمية التي تمر بها حركة «النهضة» ربما شجعت المناهضين لها داخل البرلمان على الاستعجال أو الإصرار على طرح الثقة في زعيمها، رئيس البرلمان.

مع أن محاولة عزل الغنوشي باءت بالفشل نتيجة نقص الأعداد المطلوبة لتحقيق هذا المسعى، إلا أن هؤلاء الذين قادوا هذه العملية نجحوا في حشد أعداد ليست بالقليلة من الأصوات (97 صوتا) من شأن مثل هذا العدد إلى جانب أصوات أخرى يمكن أن تلتقي معها في معارضة التوجهات السياسية لحركة «النهضة» أن تشكل عائقا قويا في وجه رئيس البرلمان في الفترة القادمة، وقد تتصاعد الخلافات، وربما تقود إلى انتخابات مبكرة، خاصة إذا ما تعطلت جهود تشكيل الحكومة التونسية الجديدة.

وأيا يكن وصف نتيجة التصويت، حيث يعتبرها البعض «انتصارا» له وهزيمة لمناوئيه، فيما يراها آخرون عكس ذلك، فإنها في المحصلة تعبر عن وجود ديمقراطية «تونسية» تسير على الطريق الصحيح، طالما أن «الحرب» السياسية لم تخرج عن إطار اللعبة التي حددتها مواد الدستور التونسي، وطالما أن جميع القوى السياسية التونسية، وبعيدا عن عمق وسطحية خلافاتها، بقيت متمسكة بالدستور محترمة مواده، فجميع الديمقراطيات تشهد مثل هذه الصراعات، وأحيانًا أشد من ذلك.

فمعركة سحب الثقة من رئيس البرلمان زعيم حركة «النهضة» هي انعكاس متوقع لطبيعة الصراعات بين مختلف القوى السياسية التونسية، خاصة من جانب تلك القوى التي تجاهر بعدائها ورفضها لقوى «الإسلام السياسي» وحركة «النهضة» واحدة منها، تقف على رأس هذه القوى زعيمة «الحزب الدستوري الحر» المحامية عبير موسى التي يقال إنها كانت سابقا مقربة من الرئيس التونسي الراحل زين العابدين بن علي الذي أطاحت به ما اصطلح على تسميتها ثورة الياسمين التونسية عام 2011.

ولا يبدو أن سقوط مطلب طرح الثقة في الغنوشي سيكون نهاية المطاف للصراع الذي تقوده بعض القوى السياسية التونسية في مواجهة حركة «النهضة»، وهذا الصراع مرشح للتصاعد تحت ضغط الأحداث الإقليمية التي تجري بالقرب من الساحة التونسية، وتحديدا في ليبيا، حيث «النهضة» دست أنفها في هذا الصراع عبر الحليف التركي. 

ولكن كل هذه الصراعات إذا ما بقيت محصورة في إطارها الدستوري وتماشت مع أصول العملية الديمقراطية، عندها ليس هناك من خوف على هذه الديمقراطية الوليدة في تونس، على الرغم من حدة الاتهامات التي توجهها بعض القوى السياسية لحركة «النهضة»، وآخرها اتهامها بامتلاك جهاز أمن سري يقف وراء عمليات الاغتيال التي راح ضحيتها العديد من الشخصيات العلمانية التونسية مثل شكري بلعيد ومحمد البراهمي حيث اتهمت لجنة الدفاع عن بلعيد والبراهمي حركة النهضة الإسلامية بالتورط عبر «تنظيم سري» في اغتيال المعارضين التونسيين.

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news