العدد : ١٦٣٢٥ - السبت ٠٣ ديسمبر ٢٠٢٢ م، الموافق ٠٩ جمادى الاول ١٤٤٤هـ

العدد : ١٦٣٢٥ - السبت ٠٣ ديسمبر ٢٠٢٢ م، الموافق ٠٩ جمادى الاول ١٤٤٤هـ

رسائل

ندوة في لندن تناقش: مستقبل العلاقات بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي بعد جائحة كورونا

مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية

الاثنين ٠٣ ٢٠٢٠ - 02:00

في 31 يناير 2020 غادرت المملكة المتحدة الاتحاد الأوروبي، وكان من المفترض أن يتبع ذلك مفاوضات حول قضايا، مثل حرية الحركة والتجارة والأمن؛ غير أن «جائحة كورونا»، قد أدت إلى عرقلة هذه المفاوضات، وبدا أنها قضت على آمال إيجاد حلول لهذه المشكلات، بل وأثارت مخاوف جديدة بشأن العلاقة المستقبلية، إذ أظهرت الاضطرابات الاقتصادية الناتجة عن تفشي الفيروس الانقسامات بين كل من لندن وبروكسل مرة أخرى. 

وفي ضوء هذه التطورات، عقد «المعهد الملكي للخدمات المتحدة للدراسات الأمنية والدفاعية» «RUSI» ندوة عبر الإنترنت مؤخرا بعنوان «رسم خريطة للجائحة.. بريطانيا وأوروبا بعد الجائحة»، بهدف مناقشة المستقبل المحتمل لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي والشراكات البريطانية الأوروبية، رأسها المدير الدولي للمعهد «جوناثان إيال»، وتحدث فيها «ديفيد ليدينجتون» عضو مجلس الوزراء السابق بالمملكة المتحدة، و«بيتر ريكيتس» مستشار الأمن القومي السابق، و«جان هول» من شركة نمبر فور لاستشارات الأعمال. 

ومنذ البداية، تم الاعتراف بأنه بالنسبة إلى كل من الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، هناك مخاوف أكثر إلحاحا من التوصل إلى اتفاق بشأن التجارة وحرية الحركة. وبحسب «ليدينجتون»، فإن «أزمة كوفيد-19» سوف تستهلك طاقة الحكومة البريطانية «لبعض الوقت في المستقبل»؛ نظرًا إلى عدم وجود «خيارات سهلة» على المدى القصير أمام المسؤولين الحكوميين، فضلا عن «تردد» الشعب في رؤيته حول القيود الصحية العامة التي قد تم رفعها مؤخرا. وعليه فإن «احتمال وصول المفاوضات إلى الواجهة السياسية مرة أخرى قريبا سيكون ضئيلا». وفي المقابل، أقر «ريكيتس»، أنه من المنظور الأوروبي، كان خروج بريطانيا من الاتحاد «على رأس قائمة» الأولويات الحالية، خاصة وأن الأخير يواجه الآن اضطرابا سياسيا ناجما عن تزايد الانتقادات؛ جراء التعامل مع الجائحة.

وبعيدا عن نظرة المستقبل القريب، شدد «ليدينجتون» بالفعل على أن مخاوف ما بعد «البريكست» ستعاود التأثير على قرارات حكومة المملكة المتحدة فيما يتعلق بصنع السياسات، خاصة مع احتمال اقتراب استئناف المحادثات، فضلا عن أن شكل هذه المفاوضات سيتأثر إلى حد كبير بإجراءات الصحة العامة التي لا تزال قائمة، مشيرًا إلى أن «عدم كفاية التكنولوجيا وضعف الاتصال بالإنترنت وقلة المحادثات المباشرة؛ تعد أسبابا كافية لتقليل فعالية الاتصال في المفاوضات»، الأمر الذي قد يشير إلى أن التوصل إلى الحلول اللازمة قد يستغرق عدة سنوات.

وبالنظر إلى آثار الجائحة على العلاقة بين لندن وبروكسل؛ اتحدت آراء المشاركين على أنها لم تفعل الكثير لتعزيز المشاعر بالشكل الأفضل أو للتقريب بين الدول الأعضاء في التكتل. واتفق «وليدينجتون»، على أنه من المتوقع أن تحاول الدول إعطاء الأولوية لمصالحها فوق الدول الأخرى، حتى عندما يتعلق الأمر بـ«اكتناز الإمدادات»؛ ولكن في ظل عدم وجود تعاون دولي واضح في مكافحة الفيروس، فإنه لا توجد علامة إيجابية على تحسن العلاقات بعد «البريكست». غير أن «ريكيتس»، حذر من أنه عندما تُستأنف المفاوضات، فمن غير المرجح أن يرغب التكتل في إعطاء المزيد من القوة لفريق التفاوض البريطاني، خاصة وأنه يواجه الآن انتعاشا اقتصاديا كبيرا. لذلك، سيكون الأمر متروكا إلى لندن لتقديم تنازلات من أجل التوصل إلى اتفاق. 

ومقابل هذه النظرة المتشائمة، قال «ليدينجتون»: إنه ظل «متفائلا بشأن نطاق الاتفاق في المستقبل بسبب التمهيدات» التي قام بها كلا الجانبين في مفاوضات سابقة وتم التعامل معها بالفعل. ومع ذلك، شدد على الحجة القائلة بأن «مستقبل بريطانيا مهدد بفشل المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي»، مؤكدا أن الانتخابات الإقليمية في اسكتلندا وويلز العام المقبل تعد مؤشرات رئيسية لدعم تعاملات وستمنستر مع الاتحاد الأوروبي. لذلك، سيتعين على «بوريس جونسون»، أن يراقب «من وقت لآخر» رد الفعل الاسكتلندي على استراتيجيته لمكافحة فيروس كورونا، وكذلك تعاملاته الأوروبية بعد الجائحة. 

من جانب آخر، وافق «ريكيتس» على أن الاتحاد الأوروبي كان تحت الضغط عقب فترة «كافح» خلالها الأزمة. وقد طغت الانقسامات بين الدول الأعضاء في السياسة الصحية والدعم المالي على أي تعاون أوروبي خلال الجائحة. وتعتقد إسبانيا وإيطاليا أنهما لم يتم تزويدهما بالدعم الكافي من دول شمال أوروبا مثل ألمانيا وهولندا. وأدى النزاع حول الإجراءات المالية لتخفيف التأثير على الاقتصاد الأوروبي إلى المزيد من الاغتراب بين القادة الأوروبيين. وعلى الرغم من أن ألمانيا وفرنسا لا تزالا الشريكين الأكثر التزاما، فقد أصدر «ريكيتس»، تحذيرا بأنه «ما لم تكن دول التكتل مستعدة لتصبح أكثر مرونة، فقد يتفكك الاتحاد تماما».

وفيما يتعلق بمعالجة المخاوف التجارية والاقتصادية المحيطة بالجائحة، فقد أشار «جان هول»، إلى أن مستقبل الأعمال البريطانية «غامض بشكل لا يصدق» جراء «تعليق حركة الاقتصاد العالمي حاليا»؛ بسبب مخاوف الصحة العامة من الفيروس، وحذر من أن الحجم الحقيقي للكارثة الاقتصادية لا يزال غير واضح، ولكن من المؤكد أنه سيكون «مدمرا» لبريطانيا. ودعما لهذا الافتراض، أشار «ليدينجتون»، إلى أن النهاية المبكرة لخطة إجازة حكومة المملكة المتحدة يمكن أن تؤدي إلى «موجة عارمة من البطالة» على نطاق يتناسب مع أسوأ فترات الركود في التاريخ البريطاني، وأوضح أن وزير الخزانة، «ريشي سوناك»، سوف يضطر إلى الموازنة بين الأولويات الاقتصادية على المدى القصير والطويل، كما رأى أن بريطانيا أرادت تجنب العودة إلى سياسة التقشف الاقتصادي التي تبنتها في أعقاب الانهيار المالي لعام 2008؛ لكنها قبلت ما قدمته الجائحة لاقتصادها من «تحد حقيقي للسياسة الاقتصادية». 

أما فيما يتعلق بالنقاش المستمر حول موعد تخفيف القيود ومقدارها؛ حذر «هول»، من أن الخطر أصبح يمثل مسألة «إنقاذ الأرواح أو إنقاذ سبل العيش». وبالنسبة إلى الشركات، هناك «خوف من فقدان الانتعاش الاقتصادي»، خاصة مع ظهور أسواق جديدة في اقتصاد ما بعد كوفيد 19. ووفقًا له، «سيكون تأثير الوباء على الأعمال التجارية البريطانية، تحركًا أسرع نحو التكنولوجيا والأسواق الخضراء». ولم تعان جميع الصناعات من الجائحة. وشهدت شركات التكنولوجيا وشركات الأدوية، -وكلاهما يمثلان 40% من الحجم الإجمالي لسوق الأوراق المالية في بورصة ناسداك- أرباحا وارتفعت أسعار الأسهم مع تزايد الطلب على خدماتها عند مستويات قياسية. وحتى داخل هذه الأسواق الجديدة، كان هناك سبب للقلق، خاصة أن أكبر 70 شركة تقنية عالمية، 60 منها إما أمريكية أو صينية و4 فقط أوروبية. ومع خروج بريطانيا من الاتحاد، كرر «هول» موقف قادة الأعمال البريطانيين من أن الشركات تفضل أن تفضي المفاوضات إلى اتفاق يضمن لهم ضمانًا اقتصاديًّا واستمرار علاقة العمل مع أوروبا في المسائل الاقتصادية. ومن ثم، فإن الخروج من دون صفقة سيكون «سيناريو بالغ الضرر»، خاصة مع دخول العالم في فترة طويلة من عدم اليقين الاقتصادي. 

وبالنسبة إلى السيناريو المحتمل المتمثل في تسريع لندن عملية الخروج من التكتل من أجل إخفاء التأثيرات الاقتصادية الناجمة عن الجائحة، فقد رُفض هذا المقترح بشكل قاطع. وأشار «هول»، إلى أن هذا سيكون نهجًا «متهورًا»، وهو أكثر ما تتوجس منه الشركات البريطانية أكثر من «البريكست» نفسه. واتفق «ريكيتس»، على أن مثل هذا النهج سيكون «ساخرًا للغاية وقصير النظر»، ووصفه «ليدينجتون» بأنه «مجنون».

وحول المخاوف الأمنية الناشئة عن الوضع الحالي للمفاوضات؛ حذر «ريكيتس» من أنه لم يجر تناول الأساس حول علاقة عمل بشأن الأمن بشكل صحيح بعد. كما لم يتم الانتهاء من قضية وصول بريطانيا إلى قواعد البيانات الأمنية، وأوامر الاعتقال الأوروبية، وبالتالي ستواجه «حافة الهاوية الأمنية» في نهاية العام إذا تعثرت المحادثات. وفي هذا الصدد، أكد «ليدينجتون»، اعتقاده بأن لندن لا تريد فترة من «العزلة الكبيرة»؛ لكنها حريصة على الاحتفاظ بعلاقات سياسية واقتصادية أوثق مع الديمقراطيات ذات التوجه الغربي في أمريكا اللاتينية وآسيا. وبدلا من ذلك، دعا «ريكيتس»، إلى علاقة عمل أوثق بين بروكسل ولندن بشأن المسائل الأمنية على الرغم من أنه لم يكن متفائلا بتحقيق ذلك. وأشار إلى أن الأخيرة ودول الاتحاد الأوروبي، بصفتها «ديمقراطيات ثرية متوسطة الحجم»؛ سيتعين عليها التعاون من أجل معالجة قضايا المستقبل بشكل صحيح حتى يمكن أن تتجاوز مدى انتشار جائحة كورونا. 

ومع وجود توافق في السياسات بشأن تغير المناخ والأمن السيبراني وسياسة الشرق الأوسط لدى المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي؛ كان من المنطقي بالنسبة إلى «ريكيتس»، أن يستمر كلاهما في العمل معًا بشكل أوثق. أما بالنسبة إلى «ليدينجتون»، فإن أي خطط بريطانية لزيادة نفوذها في الخارج قد يتم إبطالها بالفعل، إذ إن الاقتراض المرتفع للحكومة خلال الوباء سيحتاج إلى تعويضه مع تخفيضات الميزانية. لذلك، من المتوقع حدوث ضغط مالي على وزارتي الدفاع والخارجية والكومنولث.

وعن موقف بريطانيا من المواجهة بين بكين وواشنطن؛ فإن لندن تواجه قرارًا استراتيجيا صعبًا. ففي حين ترغب في الاستفادة من الشراكة الأمنية مع الأخيرة، تمثل الاستثمارات الصينية فرصة مربحة لها. وفي نهاية المطاف، كما يرى «ليدينجتون»، لن تتمكن بريطانيا من «الاختيار» البقاء مع أي من الجانبين. ووافق «ريكيتس»، وقال بأن عليها «الحفاظ على علاقات أوثق فيما يخص السياسة الخارجية مع الاتحاد الأوروبي». وأكد «هول»، أن الاتحاد قد يشغل دور الوسيط بين الولايات المتحدة والصين. لذلك، إذا سعت بريطانيا للانفصال عن الشؤون الدولية الأوروبية، فستكون حكومتها ذات تأثير دبلوماسي محدود، خاصة أنها أصبحت الآن ضعيفة لدرجة أنها تحاول عدم تنفير الشركات الصينية التي تمول أجزاء من اقتصادها، وهو ما من شأنه أن يتركها في وضع جيوسياسي صعب؛ يجعلها في حاجة إلى تلبية ترتيباتها الأمنية مع واشنطن. 

وحول الدور المستقبلي لحلف الناتو؛ كان هناك اتفاق على أنه لا يزال جزءًا مهمًا من البنية التحتية الأمنية لبريطانيا. وأكد «ليدينجتون»، على أن لندن ستستمر في إقناع واشنطن بالاحتفاظ بالتزاماتها الأمنية في أوروبا، خاصة مع التغييرات المحتملة في السياسة الخارجية الأمريكية عقب الانتخابات الرئاسية القادمة. بيد أنه اعترف بأن بمغادرتها للاتحاد تكون قد تخلت عن حق النقض (الفيتو) بشأن «التكامل الدفاعي الأوروبي». وفي حين أن هذا لم يمنع تشكيل «جيش أوروبي»، فقد استشهد بخطط الرئيس الفرنسي، «ماكرون»، حول مجلس الأمن الأوروبي كدليل على أن بريطانيا قد تُترك خارج ترتيبات الدفاع الرئيسية المستقبلية مع حلفائها.

وفي سياق الحديث عن مستقبل الناتو كان هناك تساؤل حول ما تشكله روسيا من تهديد لأوروبا. ووصف «ريكيتس»، استراتيجية، موسكو، خلال الوباء بأنها «فرق تسد»، مع موافقة «ليدينجتون»، على أنها ستحاول توسيع نفوذها باستخدام القوة الناعمة، مشيرًا إلى وضع المجر بقيادة «فيكتور أوربان»، وإيطاليا بقيادة «ماتيو سالفيني» كأهداف محتملة لتقويض الاتحاد الأوروبي. وفيما يتعلق بوضع سياسة خارجية متماسكة مناهضة لروسيا، لم يكن «ريكيتس»، مقتنعًا بأن هذا سيحدث، بسبب السياسات الخارجية المتباينة بشكل كبير داخل الاتحاد. كما أن مغادرة لندن له يجعلها من غير المحتمل أن تكون في وضع يمكنها من قيادة تشكيل وتنفيذ هذه السياسة.

على العموم، قدمت الندوة عرضا شاملا للشواغل الحالية المحيطة بمستقبل الشراكة بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة في عالم ما بعد كوفيد 19. ومن الجلي أنه عندما تُستأنف المفاوضات، فإنها ستكتسب أهمية كبيرة بالنظر إلى هشاشة الاقتصاد العالمي والانقسامات داخل الاتحاد الأوروبي. وسيطرح فشل هذه المحادثات مخاطر جسيمة لكلا الفاعلين. بالنسبة إلى لندن، قد يؤدي الفشل في تأمين صفقة مواتية إلى زيادة عزلة الحكومة الاسكتلندية وقادة الأعمال. بينما سيكون الاتحاد الأوروبي تحت الضغط لإظهار قدر أكبر من التضامن مما فعله خلال الوباء. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

//