العدد : ١٥٥٢١ - الأحد ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٣ صفر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٢١ - الأحد ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٣ صفر ١٤٤٢هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

خطر الأزمة الليبية على الوضع الإقليمي

ما يمكن اعتباره خطرا إقليميا جسيما يكمن وراء الأزمة الليبية في الظرف الراهن، هو أن هذه الأزمة تعيش في الوقت الراهن حالة من المد العسكري والجزر السياسي، وخاصة بعد أن زجت تركيا بثقلها وتدخلها المباشر في الأزمة إلى جانب حكومة فايز السراج وتقديم المساعدات العسكرية والبشرية (نقل المرتزقة السوريين) لدعم هذه الحركة، وبعد أن حققت تقدما عسكريا في الفترة الأخيرة في مواجهة القوى السياسية الأخرى، وفي مقدمتها الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر الذي يحظى بدعم إقليمي، وخاصة من جانب جمهورية مصر العربية التي استشعرت الخطر الذي يشكله التدخل التركي المباشر على أمنها الوطني، فحددت المناطق الليبية القريبة منها، مثل مدينتي سرت والجفرة، كخطوط حمراء لن تسمح لقوات السراج والمرتزقة الموالين لها بتجاوزها. 

مختلف الأطراف المؤثرة في الأزمة الليبية تقر وتؤكد أن الحل العسكري ليس هو الحل الناجع لهذه الأزمة التي مضى على تفجرها ما يربو على تسع سنوات، أي بعد إسقاط قوات حلف شمال الأطلسي لنظام العقيد الراحل معمر القذافي عام 2011، فمنذ ذلك التاريخ والأزمة الليبية تشهد تطورات سياسية وعسكرية كلها لم تذهب في اتجاه إيجاد حل يقي الشعب الليبي الشقيق ويلات هذه الأزمة، وزاد من «الطين بلة»، كما يقول المثل، الدخول العسكري المباشر لتركيا على خط الصراع الداخلي والذي شجع حكومة السراج على التعنت في مواجهة المطالب الإقليمية الدولية بالتخلي عن الخيار العسكري لصالح الجهود السياسية.

بعد سيطرة قوات حكومة السراج بدعم عسكري تركي مباشر على مدينة ترهونة وقاعدة الوطية الجوية في الغرب الليبي من قوات المشير خليفة حفتر اعتقدت أن طريق الحسم العسكري لهذه الأزمة بات تحت إرادتها، فأطلقت شروطا تعجيزية للقبول بالحل السياسي مثل انسحاب قوات المشير حفتر من مدينتي سرت والجفرة، وزادت ذلك برفضها المتسرع غير المدروس، وبتحريض تركي مباشر، لمبادرة القاهرة التي أعلنت لوقف إطلاق النار والانخراط في العملية السياسية بقيادة الأمم المتحدة.

ترتكب حكومة السراج خطأ فادحا وكبيرا بحق الشعب الليبي إن هي توهمت إمكانية حسم الصراع الليبي عسكريا، فالدعم التركي الذي يقف وراء أهداف وأطماع سياسية واقتصادية، لا يمكن أن يشكل عنصر حسم لهذه الأزمة، ذلك لأن هذا الدعم يقابله موقف مصري صريح وواضح وهو أن القاهرة لن تسمح بتهديد أمنها الوطني، مدعومة بموقف عربي واضح، أضف إلى ذلك، أن جميع الأطراف الدولية ذات الصلة بهذه الأزمة ترفض الخيار العسكري لصالح الخيار السياسي، بل رحبت بمبادرة القاهرة لوقف القتال بين أطراف النزاع الليبي من دون شروط.

ترتكب هذه الحكومة خطرا كبيرا أيضا، حين تتجاهل مصالح جيرانها من الأِشقاء، وتحديدا مصر وتونس والجزائر، فهذه القوى مستهدفة من الجماعات الإرهابية التي وجدت لها مواطئ قدم قوي في ليبيا وتحظى باحتضان حكومة السراج وداعميها الإقليميين، فالأمن الوطني للجيران يجب أن يحظى بأولوية واهتمام هذه الحكومة، لا العكس من ذلك، حيث إن تصرفاتها تدل على عدم اكتراثها بأمن ومصالح هؤلاء الأشقاء.

بغض النظر عن مواقف أطراف الصراع الليبي وخياراتها وأهدافها، وحتى صحة هذا الموقف أو ذاك، فإن مفاتيح إدارة الصراع الليبي- الليبي ليست بين أيدي هذه الأطراف، والأهم من ذلك، أن استمرار هذا الصراع أو تحقيق هذا الطرف «نصرا» هنا أو هناك، فإن ذلك كله لا يصب في خدمة جميع فئات ومكونات الشعب الليبي الشقيق، فهذا الشعب هو المتضرر الأول والأخير من استمرار الصراع بين جميع الأطراف، وهو الذي يدفع الثمن الباهظ جراء التدخلات المؤججة لهذا الصراع، وخاصة تدخلات القوى الإقليمية التي لها أطماع لا شأن للشعب الليبي بها.

الحريص حقا على مصالح الشعب الليبي والمؤمن حقا بوحدة التراب الوطني وحمايته من الأطماع الجيوسياسية، لا يمكن أن يعمل على اجتذاب قوى إقليمية أثبتت ممارساتها في أكثر من ساحة، أن لها أهدافا ومطامع غير معلنة، وأحيانا تفضحها «زلات» ألسن بعض مسؤوليها، بمن فيهم الكبار أيضا، بل الأحرى به أن يضع يده في أيدي الجهود الداعمة لوضع حد لهذا الصراع وتكثيف الجهود من أجل وضع العربة السياسية على سكتها الصحيحة التي تقود إلى محطة الخلاص التي تنشدها جميع مكونات الشعب الليبي الشقيق.

فاستمرار التعنت تحت نشوة «الانتصار» المزعوم والوهمي أيضا، من شأنه ليس فقط أن يسهم في تأجيج الصراع وتفاقمه، وإنما توسيعه إقليميا، وخاصة أن أقوى قوتين إقليميتين، وهما مصر وتركيا، معنيتان بهذا الصراع وتعدان من الأطراف الإقليمية ذات التأثير المباشر في توجيه دفته، فإن من شأن أي انزلاق مباشر وقوي لهاتين القوتين في الصراع، أن يتحول إلى صراع إقليمي خطير، وهي نتيجة لا تصب في صالح جميع الأطراف، بل على العكس من ذلك سوف تؤدي إلى إدخال المنطقة في أتون صراع طويل، الأمر سيدفع الجميع ثمنه الباهظ. 

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news