العدد : ١٥٥٢٨ - الأحد ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٠ صفر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٢٨ - الأحد ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٠ صفر ١٤٤٢هـ

الاسلامي

الإنسان في القرآن (19)

الجمعة ٣١ يوليو ٢٠٢٠ - 02:00

بقلم: عاطف الصبيحي

عبيد مظلومون، وسادة مترفون.. داحس والغبراء، لأجلها سُفكت دماء، وثارات لا تنتهي أطاحت برؤوس، ذنبها الانتماء القبلي، خمر ومجون، ربا ونسيء لا يرحم، أورث فقرًا مُدقعًا، وانتفخت جيوب من بؤس المسحوقين، هذه أبرز ملامح المجتمع القرشي الذي فيه تربى وترعرع الصادق الأمين، واُصطفي في لحظة تاريخية حاسمة ليقوم بمهمة جليلة وشاقة، فلم يعُد في رأيهم صادقًا ولا أمينًا، لأنهم أدركوا منذ اللحظة الأُولى أن عروشهم سوف تهتز، ومجدهم لا محالة زائل، إن تمكن الصادق الأمين من نشر دعوته، فثارت ثائرتهم على ما جاء به، من خطة إنقاذ ربانية المصدر.

هذا ما عقِله أعيان قريش حين تأملوا أُس الأُسس التي تقوم عليها الدعوة الإسلامية، التوحيد المُطلق، السالب لجبروتهم، فكانت الآيات المكية البليغة القصيرة تسقط على أفئدتهم كالشُّهب الحارقة لكيانهم الاجتماعي، هذا التوحيد المُطلق أضفى على الإسلام أكثر صفاته أصالة، فهو الدين المُطلق كما يقول «مارسيل بوازار» وقوة الإقناع، وما ينبثق عن هذا التوحيد من موقف سياسي واجتماعي متميز يُصادم كليات الاجتماع القرشي المكي، حيث يرد الأمر كله إلى الله: حاكمية وتشريع.

انطواء العقيدة الإسلامية على بُعد سياسي، وهو خطر سياسي على الوليد بن المغيرة وأترابه، لذا كان الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم والنواة المباركة الأولى جسمًا غريبًا في المجتمع المكي، يُحارب النهج الاتباعي العبودي، ويدعو إلى منهج جديد قوامه الإخاء والمساواة، وبدأت المعركة الفكرية بين دار الندوة المُرتجفة لزوال كيانها ومصالحها، ومحمد عليه الصلاة السلام، وبين بلال بن رباح وأُمية بن خلف، باختصار بين منهجين لا يلتقيان أبدًا.

المنهج السائد في مكة قائم على قتل إنسانية الإنسان، ومستكين على منهجه هذا، ومنهج قادم ليُحيي الإنسانية المهدورة، وتصادم المنهجان، الأول اتبع قوة الإقناع والحجة، والثاني لجأ إلى الصدام الخفي والمُعلن، واستعمل من التكتيك ما يساعده على تحقيق استراتيجتيه الكبرى المتمثلة بدفن الفكرة في مهدها، وتصاول الفريقان الفترة المكية بطولها، وجانبًا كبيرًا من الفترة المدنية، حتى عاد الرسول الكريم إلى مكة فاتحًا مُعلنًا انتصار الإنسان.

نهض بلال ليؤذن فوق الكعبة كإنسان ذي كيان، وآثار السياط شاهدة على الظلم الذي لحق به، وناطقة بصموده الأُسطوري في وجه طغيان دار الندوة، به وبأقرانه المستعبدين، وخير من لخص هذا الانتصار الفكري والعقدي قول ابن الخطاب كلما تذكر أبو بكر «أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا»، من عبد إلى سيد، هذا الحبشي ما كان يسمع كلمات الثناء توجه إليه إلا قال وعبراته تنهال على وجنتيه: إنما أنا حبشي كنت بالأمس عبدًا، هذا مُلخص الدعوة الإسلامية، وعُصارة القرآن الكريم، أن لا معبود إلا الله بكل أبعاد هذه الكلمة وأغوارها، فليس عجبًا ان يكون شعار الإسلام الجامع المانع «لا إله إلا الله» الذي فقهه بلال وعمار وقاتلا من أجله، ففي ثناياه الحرية، وفي غوره الكرامة، ومنه تنبعث نسائم الاستقلالية الفردية من أسر الانقياد لبشر، وحصرها وتوجيهها فقط نحو السماء.

هذا هو الإنسان المقصود، الذي عمل القرآن على تشكيله، إنسان حر، يحترم الآخر ولا يقدسه، جبينه لا ينحي إلا للذي أنقذه من نير العبودية، إنسان منتج وعامل وهو مرفوع الهامة ومنتصب القامة، إلا حين يخرُّ لله ساجدًا لله سبحانه وتعالى، فهل من مُدكر لأهمية الإنسان عند رب الناس. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news