العدد : ١٥٥٢٢ - الاثنين ٢١ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٤ صفر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٢٢ - الاثنين ٢١ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ٠٤ صفر ١٤٤٢هـ

الاسلامي

تجارة مع الله - بعوضة النمرود! -

الجمعة ٣١ يوليو ٢٠٢٠ - 02:00

بقلم: رجاء يوسف لوري

لقد تصدّر كورونا مانشيتات الأخبار، وقنوات السوشيال ميديا، بل أصبح هو وصورته النجم الأوحد المُهيمن على الإعلام العالمي بمختلف اللغات والجنسيّات. 

لقاءات ومقابلات وتحليلات وتنبؤات، لا حديث سواه، ولا نقاش إلا عنه، وكل ذلك لا جدوى منه ولا فائدة، ولن يُغيّر ما هو مُقدّر. 

إنه جُند من جنود الله تعالى، خفيّ فلا تراه عين، صامت فلا تسمعه أذن، لا يشمه أنف، ولا تلمسه يد!

 الله تعالى يقول:

(وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ) سورة المُدثِّر: 31.

نزل بأمرهِ تعالى، ولن يرتفع إلاّ بإذن منه، لم يأت صدفة، بل جاء من السماء برسالة واضحة -غير مُشفّرة- يقرأها كل جاهل إلى المسلمين:

 أمر فيها بإغلاق أبواب المساجد في وجوهنا، إنه لا يريدنا في بيته! 

هل قرأت ثقل المُصيبة والكارثة؟ أتعي حقا ماذا يعني أنه تعالى يطردك من بيته؟! ليخرج الجميع من الكعبة!!!

 إنّ من لا يقرأ ذلك فهو كالذي قال الله تعالى عنهم:

«أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46)» (سورة الحج).

إنَّ الطاغية النمرود -لعنه الله- تحدّى الله جلَّ في عُلاه، وادّعى الألوهية، وجعل رعيته تعبده وتسجد له، فعاقبه الله تعالى (ببعوضة) أرسلها إليه، فدخلت إلى أنفه ثُمَّ تسللت إلى دِماغه واستقرّت به، فعذبه الله بها، وكانت تلك البعوضة هي هوانه وذلّه في الدنيا، فقد جعلته لا يهدأ إلاّ بالضرب على دماغه بالمطارق والنعال الحديدية -كما قيل- فدفعته للجنون حتى هلك! 

يقول تعالى:

«أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (258)» سورة البقرة.

وتدبّر!

فإنَّ كل ذلك الخوف والهلع الذي ألمَّ بالخلق، ما هو إلاّ جزئ وشيء يسير من الخوف، وليس بالخوف كله:

يقول تعالى:

«وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ» (سورة البقرة: 155).

 ولنبلونكم: ولنختبركم.

من تفسير الشيخ السعدي رحمه الله تعالى:

‭{‬فأخبر في هذه الآية أنه سيبتلي عباده؛ ‏‏أي‏ بشيء يسير؛ لأنه لو ابتلاهم بالخوف كله، لهلكوا، والمِحن تُمَحِّص لا تهلك‏.‏

يقول تعالى:

«وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفا» (59 الإسراء). 

«وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا» (60 الإسراء).

فأين المفرّ؟

يقول تعالى:

«يَقُولُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ» سورة القيامة (10).

‏«‏أَيْنَ الْمَفَرُّ»‏ أي‏:‏ أين الخلاص والفكاك مما طرقنا وأصابنا؟ تفسير السعدي.

 فلا مفرَّ من الله إلاّ إليه، يقول تعالى:

«فَفِرُّوا إِلَى اللَّه إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِير مُبِين» (سورة الذاريات: 50).

«ففروا إلى الله»، أيّ: إلى ثوابه من عقابه بأن تطيعوه ولا تعصوه. تفسير الجلالين.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر، فزع إلى الصلاة، وهذا فرار إلى الله. من التفسير المُيسّر.

إنَّ السؤال الأهم هو:

هل نحن مُستعدون للرحيل؟ هل استعدينا لمواجهة ملك الملوك؟ هل حاسبنا أنفسنا، هل صفينا حساباتنا قبل المُغادرة؟ جاهزيتك للاستجواب وللمُحاسبة في كل كبيرة وصغيرة، وفي كل شاردة وواردة؟ 

حاسِبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا -كما قال الفاروق عمر رضي الله تعالى عنه- فجدد علاقتك مع خالقك، وأعد ترتيب أولوياتك، تقرّب إليه، واجعل حُبه ومرضاته نصب عينيك وهدفك الأوّل والأخير، فذلك السبب الوحيد لوجودك. 

وصلتني رسالة من إحدى الأخوات الداعيات الفاضلات، تقول:

«الحمد لله أنها كورونا.. الحمد لله أنهُ لم يكن (يوم القيامة) فرصة للتوبة والاستغفار عما أسرفنا وفرّطنا». 

فأنت الآن في إقامة جبرية والخيار خيارك، إما أن تقضيها وتضيعها في النوم والطبخ والأكل ومُتابعة أخبار كورونا والأفلام والمُسلسلات ومنصات التواصل الإجتماعي، وتنتظر اللقاح!

وإما أن تستثمرها وتستغلها لمصلحتك؟ فرصة لتعويض ما أهدر من العمر، تحدى نفسك، واجعلها مُنافسة بينك وبين أسرتك كحفظ القرآن الكريم -مثلا-  وعندما يدور الزمن، وترجع بذاكرتك إلى هذه الأيام سوف تشعر بالرضا والامتنان، لقد حفظك الله ونجاك، وتقول:

لقد حفظت سورة كذا في زمن كورونا.

إنَّ العامل المُشترك هنا هو الفراغ والوقت، والقرار قرارك.

ولقد صدق رسول الله عليه الصلاة والسلام:

- «نِعْمَتانِ مَغْبُونٌ فِيهِما كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ والفَراغُ».

الراوي: عبدالله بن عباس | المحدث: البخاري | المصدر: صحيح البخاري، الصفحة أو الرقم: 6412 | خلاصة حكم المحدث: (صحيح). 

«مغبونٌ فيهما كثيرٌ من النَّاس» أيّ: لا يَعرِف قَدْرَهما، ولا ينتفع بهما كثيرٌ من النَّاس في حياتهم الدُّنيويَّة والأخرويَّة.

يا ابن آدم ما أنت إلاّ أيّام... فإذا ذهب يومٌ.. ذهب بعضك. 

إنها رسالة الملك الجبّار لأولي الألباب، «وما يذكّر إلاّ أولوا الألباب».

فتذكر بأن هناك من رحل ولم تُتح لهم تلك الفرصة!

ولا تنس قول الله تعالى: «وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (12)» (سورة يونس).

ويقول تعالى:

«وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم (38)» (سورة محمد). 

ربنا لا تُسلّط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا.. يا أرحم الراحمين.

 ألا هل بلغت؟ اللهُمَّ فاشهد‏‏. ‏

ilalah@windowslive.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news